الأفعال والسلوكيات التي تجلت عن الداخل الأميركي، بشقيه السياسي والمدني، كاستجابة تلقائية لأحداث سبتمبر 2001، قدمت عرضاً فذاً لا تجمل فيه عن حال الديمقراطية هناك. إذا مرت مشاهد هذا العرض غير الصوري بدون استحلاب دلالاتها، فسوف نخسر مختبراً عملياً لا يمكن تكراره بسهولة لإظهار المسافة بين نظرية الديمقراطية وتطبيقها كما هي مطروحة في عالم الغرب، الولايات المتحدة بالذات.

لطالما أنحى أنصار هذه النظرية باللائمة على النظم العالمثالثية، أو المتخلفة بنظرهم، كونها تأخذ شكلياً بأطر دستورية وقانونية غاية في التعبيرات الديمقراطية، لكنها في الممارسة تبتعد عن هذه الأطر، المستلهمة من قيم الغرب، بمسافة ضوئية. هذا الانفصام بين القول والفعل، ين النظرية والتطبيق، بين الشكل والمضمون، كان ومازال أبرز الخصائص التي تتلقى التوبيخ والشجب والإدانة في الدول القبائلية التي يزخر بها عالم مادون الدولة / الأمة في جنوب الدنيا.

وفي سياق قناعتهم المطلقة بأنه لا مجال لإدعاء أية منظومة ثقافية اجتماعية باجتراح نظم يمكن وصفها بالديمقراطية الحقة، خارج النماذج التي اشتقها عالم الغرب، راح المؤمنون بهذه النماذج يسفهون ما عداها، رافضين التأمل فيما قد تضيفه التجارب الإنسانية الرحبة من مزايا ربما غفل عنها نموذجهم القياسي.

لقد تساءل أحد هؤلاء مؤخرا عن أسباب تردي المجتمع المدني الثقافي العربي. وهو تطوع بالإجابة قائلاً: «لأن هذا المجتمع ما زال غير معاصر لعصره ... لأنه مسكون بقيم المجتمعات التقليدية التي لا تعرف التعددية الفكرية ولا تعترف بها وما زال سجين ثقافة الإجماع العتيقة». وبعد هذا التعليل، عاد صاحبنا للتساؤل:

«ما العمل للانتقال من ثقافة الإجماع هذه إلى ثقافة التعددية والحق في الاختلاف؛ من شرعة الغاب إلى شرعة حقوق الإنسان؛ من العلاقات الطبيعية القائمة على القرابة التي تمحو الفرد محواً إلى علاقات تعاقدية تسود المجتمعين السياسي والمدني؛ من العائلة إلى الدولة التي تعترف للفرد بحقه في تقرير مصيره في حياته اليومية؟.. «والإجابة عنده كانت على شكل النصيحة التالية: «لا تضيعوا وقتكم الثمين بحثاً عن الجواب في تراثنا. الجواب الواقعي هو في التماهي مع المجتمع المدني العالمي...»؟.

في تقديرنا أن صاحب هذا الرأي وأنداده، هم أبرز الخاسرين لفرصة اختبار النموذج الديمقراطي الذين يدعون إليه. تلك الفرصة التي أتاحها المشهد الأميركي (الغربي عموماً) من الداخل، ضمن تداعيات أزمة الثلاثاء الدامي في نيويورك واشنطن قبل ستة أعوام. لقد رأينا في هذا المشهد نظاماً سياسياً يشير بأصابع الاتهام إلى مؤامرة خارجية تروم مجده الاجتماعي والاقتصادي والسياسي (الحضاري!)، وهذا هو الأسلوب عينه الذي تلوذ به نظم جمهوريات الموز، التي تعجل بتعليق خيباتها من الداخل وحصاد تصرفاتها على الخارج.

ورأينا، نظاماً يضع يده على أزندة طاقاته من القوة العسكرية، قبل أن يمعن التفكير ويتابع مفردات القضية من الزوايا الحقوقية والجنائية.. وهذه معالجة سطحية انفعالية لا تنتمي لزعم العقلانية والتدبر المفترض في النظم الديمقراطية الصحيحة، ورأينا زعامات تطلق المفاهيم وتدق الطبول، لإحياء نزعات طال الظن بغيابها من تضاعيف العقل الحضاري، الديمقراطي المتنور، في عالم الغرب.

ما أعاد للأذهان نداءات أوربان الثاني وبطرس الناسك ومهاويس أوروبا قبل ألف عام وقت أن كانوا يحشدون الأتباع لحروب الفرنجة !.. وهذه الزعامات ذاتها هي القائلة بأن من ليس معها في حربها غير المحددة الملامح ضد عدو لا عنوان له ولا تعريف فهو ضدها، بلا خيارات ثالثة أو رابعة، وبلا انتظار لتعقيبات الآخرين.. أو هكذا تكون الديمقراطيات تحالفاتها وتتعامل مع قضايا تخص الناس أجمعين؟.

في خلفية المشهد ذاته، وقعنا على رأى عام في قائدة النماذج الديمقراطية العصرية، الحداثية، يأتي كل منكرات ثقافة الشعوب القبائلية الموصوفة بالتقليدية. لقد تعرض سواد الأميركيين من غير العرب والمسلمين إلى مواطنيهم من العرب، هكذا بالشبهة وبغير جريرة واضحة.. فرأينا أميركيين يسيؤون لأميركيين بالقول والفعل الفاحشين، لمجرد التباين في الهوايات الأصلية، القومية والدينية والجغرافية..

النظرية الديمقراطية بمفاهيمها السوية، تأبى أن يسارع المواطنون بالاصطفاف خلف انتماءاتهم الأولية الإرثية عند الأزمات كما في غير أوقات الشدة. وطبقاً للممارسة الديمقراطية الحقيقية لا تزر وازرة وزر أخرى. ولا تتم المحاسبة والمساءلة وتوزيع التبعات بالجملة، بل يخضع الجميع لدولة القانون وسلطان القضاء والعدالة. هذه القواعد انتهكت في الرحاب الأميركية وبعض الرحاب الأوروبية الغربية، قبل انقشاع سحابة يوم الثلاثاء إياه وما زالت توابعها تتوالى إلى ساعتنا هذه بشكل أو آخر.

رأينا منذ ذلك اليوم أن تعددية هذه المجتمعات تعاني بؤس تعددية مجتمعات الجنوب، الموغلة في التقليدية والحداثة الزائفة على الورق. التعددية في المجتمعات التي شذبتها ثقافة الديمقراطية، هي التي تتخلق أو تصنع في إطارها القوى السياسية والمدنية، بعيداً عن انتماءات أعضائها القبائلية البدائية القائمة على قرابة الدم واللون والدين والإقليم ... فهلا امتحنا صحة هذه المقولة - وهي صحيحة نظرياً بالفعل - في ضوء وقائع وأخبار ما بعد 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؟

وإن نحن فعلنا ذلك، أفلا يسترعي نظرنا انفلات وحش الانتماءات المراد اخفاؤها بالتعددية الديمقراطية في هذه الدولة؟ لقد جري ذلك إلى الحد الذي أكره مواطنيين أميركيين لطلب حماية الشرطة، وأجبر قمة النظام على تهدئة الرؤوس الساخنة عرقياً ودينياً والتماس الغفران الاجتماعي السياسي المتبادل، قبل أن تبلغ الأمور طوراً يصعب عنده الاستدراك، مثلما يحدث في بعض الدول القبائلية وجمهوريات ما قبل الدولة / الأمة.

الشاهد في كل حال، أن المجتمعات الغربية التي يقاس على ديمقراطيتها، أظهرت بعد سبتمبر ما يشي بحاجتها إلى مزيد من أمصال الثقافة الديمقراطية، شأنها شأن «مجتمعنا التقليدي». وعند هذه النقطة، فإن أثمن وقتنا ووقت الأصدقاء من مدرسة تسخيف تراثنا السياسي بدعوى الواقعية، هو الذي يتعين إهلاكه في البحث عما يمكن به تطعيم النموذج الغربي من هذا التراث، وكذا من تراث أقوام آخرين. بغير ذلك، سوف تختفي حكمة أيام الغضب الأميركي (الغربي)، وسيبقي المولعون بهذا النموذج على دفاعهم عما لا يجوز دوماً ورغم معطيات «الواقع» الدفاع عنه.

كاتب وأكاديمي فلسطيني