وأخيراً، في العاشر من الشهر الجاري، جاءت اللحظات التي انتظرها الكثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها، لتمتد على مدى يومين ينتهيان في الحادي عشر من سبتمبر في توقيت يخدم أهداف إدارة الرئيس بوش.

حيث جلس على منصة الإفادة في الكونغرس الأميركي كل من رايان كروكر السفير الأميركي في العراق والجنرال ديفيد بترايوس القائد العسكري العام فيه، ليدليا بإفادتيهما حول ما تمخضت عنه استراتيجية الرئيس بوش في العراق التي بدأ تنفيذها في فبراير المنصرم حين أرسلت قوات إضافية إلى المواقع الساخنة في العراق بلغ تعدادها ثلاثين ألف جندي على الرغم من اعتراضات الكونغرس.

والرجلان من المتميزين جداً في مهنتيهما، فالأول دبلوماسي من الطراز الأول لديه خبرة واسعة في شؤون منطقة الشرق الأوسط ويتقن اللغة العربية، والثاني عسكري مرموق له موقع مميز بين الجنرالات الأميركيين سبق له أن قاد واحدة من أهم الفرق العسكرية الأميركية وهي الفرقة 101 المحمولة جواً، وهو كذلك حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة برنستون العريقة.

وقد انعكست مهنة كل منهما في مظهره الخارجي حيث أطل السفير ببدلته المدنية الأنيقة وظهر الجنرال مزهواً بنجومه الأربع وبالنياشين التي تشغل مساحة واسعة من صدره. وليس هذا فحسب فقد تركت طبيعة المهنة بصماتها على التقريرين كذلك، حيث تميز تقرير كروكر بديباجته السياسية الفضفاضة منحتها خبرته الدبلوماسية الطويلة في المنطقة لمسات مرنة جعلتها تتقبل الكثير من التفسيرات، في حين كان الجنرال أكثر وضوحاً في إشاراته وأكثر مباشرة في طروحاته وأكثر استخداماً للأرقام في حواره.

ستشكل تلك اللحظات وما أعقبها من تساؤلات واستفسارات على مدى يومين من قبل أعضاء اللجان المتخصصة الأربعة في الكونغرس، وما سيترتب عليها من مواقف وسياسات وقرارات مفصلاً لا تتوقف أهميته عند ما سوف يحدث في الساحة العراقية وإنما ستنسحب تأثيراته على عدد من دول المنطقة وعلى مستقبل المشروع الأميركي حول الشرق الأوسط الكبير.

وقد استبق رئيس الوزراء العراقي إفادتي السفير والجنرال قُبيل ساعات من مثولهما أمام الكونغرس، فقدم تقريراً مسهباً أمام مجلس النواب العراقي حول ما حققت حكومته من إنجازات مسلطاً الضوء على محورين اثنين: الوضع الأمني والمصالحة السياسية، ومشيراً إلى أن أبرز نجاح حققته حكومته هو منع نشوب حرب أهلية.

لا يخطئ من تابع جلسة الاستماع في الكونغرس الأميركي رصد التنسيق الواضح بين السفير والجنرال والاتفاق بينهما على تسليط أضواء ساطعة على بعض المحاور وأضواء خافتة على محاور أخرى بغية التناغم وتحقيق الانسجام مع توجهات الإدارة الأميركية فهما جزءاً منها. وقد دفع ذلك بعض أعضاء الكونغرس إلى اتهام إدارة الرئيس بوش بتسليط الضغوط عليهما للإدلاء بهاتين الشهادتين، إذ أن بصمات أصابع الإدارة واضحة فيهما كما ذكر هؤلاء.

فقد كان كل من السفير والجنرال أشبه بمحام في ساحة القضاء يقدم مرافعته في قضية يحاكم الرئيس الأميركي فيها غيابياً بتهمة اعتماد إستراتيجية فاشلة، حاول كل منهما أن يقدم تقييماً متوازناً خاليا من الثغرات وذلك بذكر الإيجابيات والسلبيات التي تمخضت عن سياسة الإدارة الأميركية في العراق، إلا أن الملاحظ بأن الحجم الذي أعطي للإشارة إلى السلبيات التي تشمل:

تعثر العملية السياسية وتردي الخدمات البلدية والتهجير المتزايد داخل العراق وخارجه وتدهور التعليم والخدمات الصحية وزيادة حجم الفقر وانتشار البطالة والفشل في إصلاح الاقتصاد المدمر وتفشي الفساد المالي والإداري وغير ذلك الكثير، ضئيل إلى درجة يمكن القول فيها إن المآسي التي يمر بها العراق منذ الاحتلال وحتى الآن قد وُضعت في خانة المسكوت عنه.

كان أبرز ما هو مشترك بين التقريرين هو تحذير الكونغرس من خطورة اتخاذ قرار سحب القوات العسكرية من العراق أو تخفيض عددها في الوقت الحاضر، فذلك حسب رأي بترايوس قد يجهض ما تم تحقيقه من إنجازات على المحور العسكري خاصة وأن هنالك مؤشرات ملموسة على نجاح الإستراتيجية الجديدة التي تحتاج إلى المزيد من الوقت.

فالانسحاب يترك فراغاً كبيراً لا تستطيع قوى الأمن العراقية أن تشغله في الوقت الراهن، مما يمهد السبيل لعودة تنظيمات القاعدة إلى السيطرة على بعض مناطق العراق من جهة وتعزيز الدور الإيراني في مناطق أخرى مهمة في الجنوب وخاصة محافظة البصرة الأكثر ثراء في العراق من جهة أخرى. وبعبارة أخرى تحذير الكونغرس من مغبة إجراء أي تغيير في الإستراتيجية الأميركية في العراق.

كما أشار التقريران إلى تصاعد الدور الإيراني في العراق، فهنالك حسب ما ذكرا تزايد في كمية الأسلحة، المُدمرة لآليات الجيش الأميركي، التي يتم إدخالها إلى العراق باستمرار وهنالك تصاعد في الجهود التي تبذلها إيران في تدريب العناصر التي تلحق الضرر بالوجود العسكري الأميركي في العراق.

لقد رسم كل من السفير والجنرال صورة وردية لواقع العراق المؤلم، فلا أحد في العراق يستطيع أن يرى الإنجازات التي يتحدثون عنها، وإن من السخرية بمكان أن نرى الولايات المتحدة، وهي الدولة الأعظم في العالم، والتي قامت بغزو العراق لتنفيذ برنامج سياسي ديمقراطي حسب ما تدعي، نراها تفخر بانتصارات حققتها على مجموعات مسلحة صغيرة متنقلة لا ترقى في تجهيزاتها وتدريبها إلى مستوى يؤهلها لمواجهة دولة صغيرة ناهيك عن مواجهة الولايات المتحدة.

ومما يجعل المشهد باعثاً على المزيد من السخرية هو أن ما تحقق للولايات المتحدة من نصر !! قد تأتي في الحقيقة بفعل تحالفها مع عشائر هذه المنطقة أو تلك من العراق التي جرى إمدادها بالسلاح، إذ لم يكن لقوى الأمن العراقية (الجيش والشرطة) دور يذكر في هذه العمليات التي أدت إلى إضعاف تنظيمات القاعدة ولكنها أدت كذلك إلى إضعاف هيبة الدولة العراقية.

وأدت إلى المزيد من الابتعاد عن مشروع العملية السياسية وبدأت ترسي قواعد نظام عشائري جديد قد يكون مصدر خطر من نوع آخر على مستقبل العراق، كما أن التحسن النسبي في الوضع الأمني الذي أشار إليه التقريران لم يكن في حقيقته بسبب زيادة عدد القوات الأميركية وتحسن الأجواء السياسية في العراق، وإنما نتيجة طبيعية لتفاقم الهجرة والنزوح المستمر في الداخل والخارج وانخفاض عدد نقاط التماس بين المتصارعين مذهبياً أو عرقياً، فالفصل الطائفي والعرقي على أسس جغرافية يقلل عادة، في حالات الاحتقانات، من الخسائر البشرية.

أما في المحور السياسي فلم يكن لدى السفير، وهو الأهم في هذا المجال، ما يقوله سوى الإشارة إلى أن التشريعات التي تعمل على تنقية الأجواء وتمهد للمصالحة السياسية ومنها قانون المساءلة والعدالة، كبديل لقانون اجتثاث البعث، لم يجر تشريعها من قبل المجلس النيابي بعد. أما ما يتعلق بالجمود الذي تشهده العملية السياسية والشلل الذي اعترى مفاصلها بعد أن انسحبت ثلاث كتل نيابية من الوزارة فلم يكن محوراً للحديث، كما لم يتطرق أي من التقريرين إلى الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأميركية في العراق.

إن توقفاً أمام المصطلحات المستعملة في الفترة الأخيرة يكشف عن حجم التنازل في الأهداف والطموح، فالنصر لم يَعُد هدفاً كما كان الحال في أواخر عام 2005، فهذا المصطلح قدا في الفترة الأخيرة من الكلمات المعدة للإلقاء من قبل كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية.

فالرئيس بوش استعاض عنه بمصطلح «النجاح» الذي كرره ست مرات في كلمته التي ألقاها في الأنبار عند زيارته الخاطفة الأخيرة قبل أيام. ولا يغيب على الراصد ان يلحظ صدى ذلك في إفادة كل من كروكر وبترايوس اللذين تلافيا الحديث عن النصر وتحدثا عن تحقيق الاستقرار.

سوف يستثمر الرئيس الأميركي ما ورد في إفادتي كروكر وبترايوس أمام الكونغرس إلى أبعد الحدود، فقد كانت زيارته المفاجئة للعراق وهبوط طائرته في قاعدة الأسد الصحراوية في الأنبار، المحافظة التي كانت حتى الأمس القريب مرتعاً للقوى التكفيرية المنضوية تحت لواء القاعدة، إحدى فصول هذه المسرحية التي يراد منها لفت أنظار الأميركيين إلى انجازات وهمي.

ويبدو أن هنالك مساعدة أخرى قُدمت للرئيس لتحقيق ذلك، قدمت من عدو لدود وبتوقيت غريب، فإن مجرد ظهور أسامة بن لادن على شاشات التلفزيون في لقطات فيديو صُورت حديثاً، دعمٌ ما بعده دعم له ولسياساته وحجة قوية بأيديه أمام خصومه، فهو في العراق لمطاردة فلول القاعدة العدو الألد للولايات المتحدة.

فأحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 لا تزال كوابيس ماثلة أمام المواطن الأميركي الذي أصبح هاجسه الأمني، بعدها، لا يقل أهمية في تقرير موقفه السياسي عن هاجسه الاقتصادي، إلا أن ما هو أهم من ذلك هو قرار الكونغرس الذي يشعر أعضاؤه بالمزيد من الانزعاج وهم يرون الطريقة التي تعرض بها مشاهد الإخفاق، فإفادتي كروكر وبترايوس ليستا الوحيدتين اللتان سيؤخذ بهما في وضع استراتيجيات المرحلة المقبلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae