الدور الروسي يبرز الآن على الساحة ليس فقط سياسياً وعسكرياً بل أيضاً وهو الأهم اقتصادياً، فروسيا التي أصبحت خلال الأعوام الخمسة الماضية عملاقاً كبيراً للطاقة فرضت نفسها بقوة على أسواق النفط والغاز العالمية.

وتوجهها واقترابها من دول الخليج العربي الغنية بمصادر الطاقة يعكس في حد ذاته مصداقية كبيرة لها في أنها لا تطمح لممارسة الأساليب الغربية في الهيمنة على الأسواق بل تطمح للتعاون مع الجميع بهدف تحقيق مبدأ «ديمقراطية الطاقة العالمية» .

كما قال الرئيس بوتين من قبل وأيده في ذلك العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، بمعنى أن لا تصبح مصادر الطاقة وأسواقها حكرا على ست أو سبع دول في العالم تسمي نفسها بالدول الكبرى بينما تواجه برامج التنمية والبناء في أكثر من نصف دول العالم عوائق شديدة بسبب شح الطاقة وارتفاع أسعارها بشكل مطرد.

الرئيس بوتين بشخصه وتوجهاته السياسية يلعب دوراً كبيراً في مسألة «ديمقراطية الطاقة»، وهو القائل «إن أسواق الطاقة لا يجب أن يتحكم في مسارها ونظامها كبار المنتجين فقط بل أيضا وكبار المستهلكين باعتبار أن العالم كله أسرة واحدة تعمل من أجل نهضة البشرية «، ولو عدنا للزيارة التاريخية التي قام بها الملك عبد الله بن عبدالعزيز لروسيا في سبتمبر عام 2003 عندما كان وليا للعهد، سنتذكر أنه قبل هذه الزيارة كانت أسواق الطاقة العالمية مهددة بالفوضى بسبب عدم قدرة منظمة أوبك للدول المنتجة على التحكم في الإنتاج بسبب وجود دول أخرى خارج المنظمة تنتج النفط وتطرحه للأسواق.

وروسيا التي تعد ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد السعودية انفتحت أمامها أسواق العالم يمكنها أن تؤثر سلبا وبشدة على منظمة أوبك وتحطم أسعارها وخططها في السوق طالما سيعود عليها ذلك بأرباح طائلة، وكان من الممكن للدول الصناعية الكبرى أن تتقرب من روسيا وتتعامل معها خارج أوبك وتشتري نفطها بأسعار أقل بكثير.

لقد وجد الملك عبد الله بن عبد العزيز ترحيباً كبيراً من روسيا للتنسيق والتفاهم مع أوبك في أسواق الطاقة، ولا شك أن شخص الرئيس بوتين وتوجهاته السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية يلعب دوراً كبيراً في هذه المسألة، ولو كان شخصاً آخر غيره في الحكم في روسيا.

أو لو كان هذا الأمر في عهد سلفه الراحل يلتسين الذي كان لا يعرف حتى أين يقع الخليج العربي والذي كان يهرول بلا روية أو تردد نحو الغرب وواشنطن لكان تعامل روسيا في أسواق الطاقة يتم بشكل آخر تماماً ولصالح الدول الكبرى المهيمنة وخاصة أميركا وبعيداً عن مصالح دول الخليج وباقي دول العالم، خاصة .

وأن النفط الروسي في عهد يلتسين كان خاضعا تماما للأثرياء الروس من اليهود الموالين لواشنطن والغرب، وهو الوضع الذي جاهد بوتين كثيرا من أجل إصلاحه وتغييره في السنوات القليلة الماضية واستطاع أن يعيد قطاع الطاقة الروسي العملاق تحت سيطرة الدولة.

ولتوضيح الأمر نقول ان المشكلة أمام الدول النامية ليست في ارتفاع أسعار الطاقة بل في كيفية الحصول عليها، لأن الدول الصناعية الكبرى التي تريد استمرار هيمنتها على الاقتصاد العالمي لا تريد للدول النامية أن تستمر في نموها بالدرجة التي تهدد هيمنتها، وخاصة الدول صاحبة برامج التنمية الكبيرة مثل الصين والهند وماليزيا والبرازيل وغيرها من الدول التي لن تستطيع شراء النفط اللازم للتنمية عندها لأن الدول الغنية الكبرى ستشتريه وتتحكم في أسواقه وتبيع لمن تشاء بالشروط التي تريدها وبالكميات التي تقررها.

والتي ستكون أقل بكثير من حاجة هذه الدول، وقد كادت الصين أن تواجه بالفعل هذه الأزمة الكبيرة في عام 2005 لولا التنسيق الروسي - السعودي واتفاقهما على مبدأ «ديمقراطية الطاقة» وحق جميع الدول في الحصول منها على ما تحتاج إليه، ولهذا فتحت السعودية وروسيا أبوابهما للصين وغيرها من الدول وأصبح هناك بالفعل خطوات محسوسة لتحقيق مبدأ «ديمقراطية الطاقة».

elmoghazy@hotmail.com