هل يحتاج الوطن العربي إلى إعادة تعريب كما يوحي العنوان الذي يبدو غريبا للوهلة الأولى ؟ أغلب الظن فإن الإجابة ستكون بنعم، ذلك أن المدلولات السياسية التي تعنيها عبارة الوطن العربي لم تعد موجودة لا على مستوى الشكل ولا المضمون، الأمر الذي دعا عالما فذا بحجم أحمد زويل (خلال محاضرة ألقاها مؤخرا بالسودان ) إلى القول :

«إنه لو تحولت الجامعة العربية (من كونها إطارا يحاول منذ عقود دون جدوى جمع العرب على أهداف مشتركة) إلى جامعة (أكاديمية) ربما كان ذلك أجدى».

سقطت منذ زمن طويل مقولات الوطن الواحد، فلم يعد أحد يؤمن بها، بل بات ينظر إلى من يرددها إما باعتباره ماضويا أو معتوها، ذلك أن الواقع المتردي دهس في طريقه تلك التطلعات التي مثلت لحظة نبيلة في التاريخ العربي الحديث .

ورغم أنه لاتوجد أمة تغير مسارها من طريق معلوم إلى العدم، إلا أن ذلك حدث بالفعل في عالمنا العربي (المجازي).. وأتاح هذا الفراغ الفكري الذي خلفه موت التطلع لوحدة عربية إلى نشوء هرطقات لاتمت إلى الواقع بصلة مثل توجه دول الشمال الإفريقي جنوبا حيث القارة السمراء، أو إحياء الدولة الفاطمية الغابرة في تلك الدول، ومع كل هرطقة جديدة يبرز منظرون يزينون للناس « الفكرة العبقرية».

ويعقدون الندوات لتبريرها، مثلما حدث في ندوة عقدت بنقابة الصحافيين المصرية الأسبوع الماضي، وانهالت على جثة الأزهر تقطيعا وتشريحا، ليس لتخليه عن دوره التاريخي التقليدي في مواجهة الحكام الظالمين، ولكن لأنه تخلى عن طابعه المذهبي الذي نشأ عليه قبل أكثر من ألف عام.

وخلال الأسابيع الأخيرة كانت هناك إشارات موحية .. خذ عندك

- حينما حدث انتهاك للأجواء السورية قبل أيام، لم يتحرك أحد في العالم العربي ليبدي غضبا .. أو ليعرض تعاونا .. ولم تزد المسألة عن الاتصالات الروتينية التي تبدي الأسف كما يحدث في اتصالات العزاء.

كما لم يقترح أحد دعوة القمة العربية للانعقاد وتدارس الأمر ولا حتى دعوة المجلس الوزاري للاجتماع رغم أن ماحدث كان يهدد باندلاع حرب كبيرة، وربما شمت بعض العرب في دمشق التي وجدت نفسها في مرمى القاذفات الإسرائيلية دون مقدمات .. كما لم تتحرك العواصم المطبعة مع إسرائيل لتعرف دوافعها ..

أو تحذرها من عواقب سلوكها العدواني هذا، والغريب أن رد الفعل الأقوى نسبيا جاء من تركيا التي طلبت إيضاحات وتفسيرات عن الانتهاك الذي حدث.

وإذا كان إعلان موقف في حالة كالحالة السورية يبدو مكلفا، فإن مواقف أخرى لم تكن تستدعي دفع ثمن باهظ أو مخيف، بقدر ما تحتاج إلى نوايا حسنة ومساع خيرة لاتكلف صاحبها كثيرا .. ومع ذلك فإن العواصم العربية غابت عن أزمات كان يفترض بها أن تحضر فيها.

- الأزمة الفلسطينية .. والاقتتال بين فتح وحماس بما رافقه من ولوغ في الدم الفلسطيني وكسر لثوابت ومحرمات ظلت مصانة لعقود طويلة، وإنشاء حكومتين وإظلام غزة واحتجاز آلاف الفلسطينيين على المعابر جلهم نساء وأطفال ومرضى، كل ذلك لم يحرك الشهامة العربية.

- الأزمة اللبنانية المستمرة منذ أشهر طويلة ومازالت تهدد بعودة شبح الحرب الأهلية البغيضة .. ليس لتجاذبات سياسية عودنا عليها الفرقاء اللبنانيون، ولكن صلب الأزمة كما تبدو تصفية حسابات بين مؤيدين لعواصم عربية، ومؤيدين لعواصم عربية أخرى على تنافر معها .. ورغم أن هناك غالبية عربية لاناقة ولا جمل لها في الصراع الذي يدور بالوكالة، إلا أن أحدا لم يتحرك لإطفاء النار التي تتهدد لبنان.

سيقفز إلى ذهن البعض سؤال يتعلق بالمساعي التي بذلت، ففي لبنان تحرك أمين الحامعة وزار بيروت غير مرة، وفي فلسطين تشكلت لجنة تقصي حقائق .. لكن الحركة في الحالتين لم تكن وراءها إرادة سياسية جماعية تهدف لنزع فتيل الأزمتين، وتكابد من أجل تحقيق هدفها .. بل نوايا طيبة ومبادرات شخصية فحسب وهما لاوزن كبير لهما في عالم السياسة وإن كانتا تستدعيان شكر أصحابهما.

إلى أين يتجه العالم العربي ؟ وهل يكتفي بالرقص على الأنغام الأميركية؟ ليس بمقدور أحد أن يحدد .. ليس افتقارا لكفاءة ذهنية ولا قلة فهم لمعطيات الواقع المعقد الذي نعيشه، بل ببساطة لأن الدول العربية تتجه نحو المجهول .

magdishendi@hotmail.com