زادت حدة الهجوم الأميركي على نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية، فمن جهة قال السيناتور الديمقراطي البارز، كارل ليفين، ورئيس لجنة الخدمات المسلحة في العراق إنه ينبغي على برلمان العراق أن يزيح المالكي عن سدة السلطة. وأعلن ليفين أن حكومة المالكي عاجزة عن القيام بمهامها.

وأنها لا تستطيع أن تصنع تسوية سياسية لأنها مدينة جدّا بالفضل إلى زعماء دينيين وطائفيين. وكان ذلك عقب عودته من زيارة للعراق. وفي اليوم التالي لتصريحات ليفين ظهرت هيلا ري كلينتون، الأوفر حظّا بين الديمقراطيين للترشيح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي، أمام الاجتماع السنوي لقدامى المحاربين في الحروب الخارجية، وكررت دعوة زميلها في مجلس الشيوخ.

وقالت انه ينبغي استبدال المالكي بشخص أقل إثارة للانقسام، وأكثر قدرةً على تحقيق الوحدة. وهذه التصريحات تعني أن الدعم الأميركي للمالكي لم يعد على مستواه السابق، خاصة وان هناك تصريحات صدرت عن شخصيات في الإدارة الأميركية أكدت أن دعم الإدارة لحكومة المالكي لم يعد كما كان من قبل.

وكانت حكومة المالكي قد واجهت منذ أسابيع أزمة أخرى استدعت منه إجراء اتصالات مع أكثر من تيار وقوة سياسية من أجل تأمين الاستقرار لها وأبرز هذه الاتصالات كانت مع تيار مقتدى الصدر والذي انسحب وزراؤه من الحكومة وهو الأمر الذي وصل بأزمة الحكومة إلى ذروتها.

ولم يعد خافيا أن حكومة السيد نوري المالكي في العراق تواجه أزمة على عدة مستويات، أبرزها مع الإدارة الأميركية التي لم تخف امتعاضها من أداء هذه الحكومة، وسربت منذ فترة إلى وسائل الإعلام أنها أعطت للمالكي مهلة لكي توقف حكومته الاقتتال الطائفي وتسيطر على الوضع الأمني المتدهور في العراق.

وأفادت تقارير عدة أن الإدارة ليست راضية عن أداء الحكومة، خاصة مع زيادة عمليات تنظيم القاعدة ولجوء الحكومة إلى التحالف مع العشائر من اجل التصدي لها، وهذه العشائر معظمها سني لا تشعر الولايات المتحدة بالارتياح إليها.

وهناك دوائر داخل الولايات المتحدة لا تخفي خوفها من أن استمرار حكومة المالكي على سياستها هذه يمكن أن يفتح الباب أمام تأسيس دولة دينية في العراق على النمط الإيراني، على الرغم من أن الولايات المتحدة عندما باركت رئاسة المالكي للحكومة كانت تعتقد أن حزب الدعوة الذي هو احد قياداته لا يمكن أن يمهد الطريق أمام هذا الخيار، خاصة وأنها تعلم أن هذا الحزب كان على خلاف مع إيران بعكس القوى الشيعية الأخرى الممثلة في الحكومة مثل (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) و(تيار مقتدى الصدر).

فحزب الدعوة حسب تحليلات أميركية متعددة كان هو المعادل الشيعي لحزب العدالة والتنمية التركي الذي استطاع أن يجمع بين الحداثة بقيمها المختلفة وعلى رأسها الديمقراطية التعددية من جانب والإسلام من الجانب الآخر.

أما المستوى الثاني من مستويات أزمة حكومة نوري المالكي فتتمثل في زيادة حدة العنف الممارس في العراق، خاصة ذلك الذي يتخذ وجها طائفيا ومذهبيا حيث تتم عمليات قتل أو تفجير في المزارات الدينية للشيعة.

كما يقتل السنة على الهوية في بعض المناطق كرد فعل على هذا السلوك وهذا الأمر تؤكده الجثث التي تكتشف يوميا في بعض الأماكن لقتلى يبدو انه نفذت مذابح جماعية بحقهم في بعض مناطق العراق، وهذه الممارسات استدعت عقد مؤتمر في مكة بين قيادات سنية وشيعية من أجل وقف هذه العمليات.

ولكن هذا الأمر ليس بالسهل إيقافه لأنه حصيلة تراكمات عديدة وأيضا لأن الجهات التي تنفذه أو تقوم به لم تكن حاضرة في مؤتمر مكة وهى جهات تنتمي إلى تنظيم القاعدة الذي لا يمكن التفاوض معه لأسباب متعددة وبالتالي فإن مواجهتها هي الأسلوب السليم ولكن حكومة المالكي فشلت في المواجهة حسبما تفيد كافة المؤشرات حتى الآن.

أما ثالث مستويات أزمة حكومة المالكي فهي تتعلق بعدم سيطرته على الحكومة أو على بعض الوزراء المشاركين فيها وذلك لأنهم حسبما يقول قريبون منه في تصريحات صحافية قد فرضوا عليه سواء من قبل الأحزاب المشاركة في الحكومة أو من قبل الولايات المتحدة التي لعبت دوراً رئيساً في تشكيل هذه الحكومة.

وعندما نقول إن المالكي لا يسيطر على الحكومة بصورة كافيه فنحن لا نتجنى عليه ولكن هناك مؤشرات عديدة على ذلك منها بالطبع تصريحات لمستشارين أو مقربين له ومنها أيضا بطء صدور القرارات عن الحكومة أو عدم صدور قرارات حاسمة تتعلق ببعض الأمور الجارية التي تتطلب الحسم السريع.

وإذا كانت حكومة المالكي تواجهه بأزمة حسبما ذكرنا، فما هي أسبابها، لأن معرفة الأسباب قد يكون احد المداخل الفاعلة في حلها. نستطيع القول إن هناك مستويين بالطبع لأزمة الحكومة العراقية الأول يتعلق بالداخل العراقي والثاني يتعلق بالصراع الإقليمي، وقد تفاعل المستويان معا لينتجا لنا الأزمة الحالية التي تواجهها الحكومة العراقية.

فعلى صعيد الداخل العراقي لا ننسى جميعا الولادة المتعثرة لهذه الحكومة التي تعبر عن تحالف هش وغير متوازن من فرقاء سياسيين لا يجمع بينهم برنامج حد أدنى حول مستقبل العراق. فهي وإن كانت تضم أكراداً وشيعة على سبيل المثال، فلا يمكن القول إن هناك أدنى توافق بين التيار الصدري المشارك فيها وأي من التنظيمات الكردية الأساسية المشاركة فيها أيضاً.

وهذا الأمر بالذات يمكنه تفسير أسباب عدم سيطرة المالكي على الحكومة. وهناك دلائل متعددة ليس هنا مجال الخوض فيها تؤكد أن المالكي يغض الطرف عن أشياء وممارسات قد تعرقل إحلال الأمن مثلاً من أجل عدم تفجير حكومته أو عدم إغضاب أحد من التيارات المشاركة فيها وعلى الأخص تيار مقتدى الصدر.

فهل هذا الوضع المأزوم يجعلنا نتساءل عما إذا كانت حكومة المالكي قد بدأت العد التنازلي؟

كاتب مصري

href="dralaboodi@gmail.com">dralaboodi@gmail.com