هل استيقظ الدب القطبي فجأة؟
الحقيقة أنه لم ينم قط. لأنه كان مشغولا بالدرجة الأولى بترتيب أوراق شؤونه الداخلية التي ما زالت متناثرة هنا وهناك منذ سقوط دولته العظمى.
ولم يكن أحد يتوقع في يوم من الأيام أن تدور الدائرة - كما دارت على غيرها - أيضا على هذه الإمبراطورية العظمى من حيث المساحة الجغرافية وعدد السكان والتطور التكنولوجي والعسكري وحرب النجوم والهيمنة السياسية والاقتصادية على معظم أجزاء أوروبا الشرقية... إلخ.
كانت الولايات المتحدة الأميركية في يوم من الأيام جل ما تخشاه أن يثور هذا الدب شبه النائم بشكل عشوائي ويحول العالم إلى خراب ودمار.
وكما شاعت في تلك الفترة من الحرب الباردة تلك الطرفة التي تقول إن أسلحة الدمار الأميركية تستطيع أن تقصف الكرة الأرضية مرة واحدة، بينما أسلحة الاتحاد السوفييتي (سابقا) تملك من القدرة ما تستطيع بها أن تقصف الكرة الأرضية مرتين! وهذا يدل على مدى قوة الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت من الزمن.
ومعظمنا عايش فترة الانهيار السريع الذي يشبه الانهيارات الثلجية من قمم الجبال ويحول القرى الآمنة في الليل إلى قرى مسطحة حتى قبل أن يدرك أهاليها ما يحدث خارج الأبواب.
وبدأت أسارير البهجة والارتياح تعلو وجه الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية بهذا الحدث غير المنتظر وغير المتوقع والذي تمخض عن إمبراطورية تتساقط يوما بعد يوم أعضاؤها الواحدة تلو الأخرى وتصارع من أجل البقاء حتى غدت غير قادرة حتى على لملمة نفسها أو السيطرة على عصابات المافيا التي ملأت شوارعها. وتعثر الرؤساء الذين جاؤوا بعد ميخائيل غورباتشوف لتحويل هذه الإمبراطورية عن وجهتها التي رسمتها لها المبادئ الشيوعية الأولى.
فلم يكن التغيير بتلك العملية السهلة والسريعة لمئة وخمسة وأربعين مليون نسمة تعودوا على العيش بين الجدران المحكمة والنظام الذي لا يعرف الرحمة الإلهية. غير أن مجرد النجاح ولو في فتح ثقب بسيط في ذلك السور العظيم كان كافيا لقلب الموازين الداخلية رأسا على عقب.
وحقيقة الأمر فإن غورباتشوف لم يخطط شيئا أكثر من رغبته المعاصرة في أن يجعل الشعب الروسي يرى بأم عينيه من وراء الثقب الصغير ما كان يسمعه ليل نهار من خلف الجدران التي تحيط به.
ولم يستمع كبار مخططي السياسة الخارجية الأميركية إلى نصيحة مستشاريهم بأن إقلاق الدب الأبيض ليس في صالح السياسة الغربية، كما لن يكون في صالح العالم الصناعي والديمقراطي أن تنتشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية!
وفي خضم الفرحة التي سادت العالم بانهيار الاتحاد السوفييتي لم يستمع أحد إلى تلك الفلسفات غير المنطقية، وتوقعوا أن الاتحاد السوفييتي سوف يتحول في غضون سنوات قليلة إلى عدة دويلات ممزقة شر ممزق. وربما تحقق للغرب بعض تلك الأمنيات.
وغرقت روسيا الجديدة في حروب وأزمات اقتصادية وسياسية وانفصالية وتحررية وديمقراطية وفوضوية ومافيوية حتى الركب، وتخلت عن دويلاتها التي كانت تدور في فلكها في شرق أوروبا وتحولت إلى الأنظمة الرأسمالية بسرعة البرق وبالطبع بمساعدة ودعم وتشجيع دول أوروبا الغربية التي انتهزت فرصة كانت أغلى من غاز سيبيريا كله.
غير أن المصيبة الأعظم طالت دول العالم في الشرق والجنوب. فمن كان يجرؤ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي المتخبط في البرويسترويكا والجلاسنوست أن يقف في وجه صواريخ الدولة العظمى الواحدة التي لا تقهر؟ ولم يكن حتى هناك من داع لتحدي تلك القوة العظمى، فهي التي ترسم من الآن فصاعدا مصير شعوب العالم وفق ما تمليه عليها مصالحها القومية.
وكلنا تابع لحظة بلحظة أحداث العالم المهيبة منذ انهيار برجي التجارة في نيويورك حتى قرار الولايات المتحدة نشر منظمة صواريخها الدفاعية على حد قولهم في شرق أوروبا... وكانت روسيا تحاول دون جدوى أن لا تغيب عن جبهة الساحة الدولية رغم انشغالاتها الداخلية على أكثر من جبهة. وكان اللوم يوجه إليها بأنها تركت العالم ينهب على مرأى من أعين الجميع دون أن تتحرك، وأن حلفاءها تركوها وهي غير قادرة على إقناعهم بالعودة، وأنها أصبحت تتبع الولايات المتحدة كدولة صغرى في جميع قراراتها وسياساتها دون أن يكون لها شخصيتها المستقلة.
وأنها أضاعت عظيم الفرص لإعادة الاعتبار لهيبتها التي تزعزعت منذ انهيارها، وأنها سوف تخسر الكثير فيما لو أنها ظلت على هذه الحال من الانطواء، ويبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين لم يكن من هؤلاء الذين تسيرهم أهواؤهم على حساب أولوياتهم ومصالح بلدانهم ومستقبل شعوبهم، لكونه لم يأت من فراغ، وتدرج في عدة مناصب استخباراتية وأكاديمية.
وعندما وجد أن الوقت قد حان وأن روسيا قد بدأت تثبت أقدامها وتعيد اعتبارها لدى العديد من دول العالم من خلال دبلوماسية متوازنة وعدم تدخل في شؤ ون الدول الأخرى بعد درس أفغانستان، وأن اقتصادها على ما يرام، وأن الولايات المتحدة - منافستها الوحيدة في الماضي - دخلت عدة حروب على عدة جبهات تقع على مسافة آلاف الكيلومترات من العاصمة واشنطن، وأنها خسرت مليارات الدولارات جراء تلك الحروب غير المخطط لها بشكل جيد.
وأن الرئيس بوش بعد صورة الكاوبوي الذي لا يقهر قد خسر شعبيته على المستويين الداخلي والخارجي وأن الولايات المتحدة أصبحت بسبب سياستها الخارجية القائمة على الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، عدوة العالم الأولى فتم حرق أعلامها مقرونة بعلم إسرائيل في عدة عواصم عالمية بل حتى على أراضي الولايات المتحدة نفسها ورفعت اللافتات منددة بيديها المخضبتين بدماء العراقيين والفلسطينيين واللبنانيين والأفغانيين وغيرهم.
وأن العديد من الدول المقاومة لسياسة واشنطن بدأت تلجأ إلى موسكو لطلب ودها ويدها ودعمها، وأن دخولها بات الآن آمنا، بدأ بوتين في رسم سياسة جديدة لدبلوماسيته الخارجية. وكانت زيارته لعدد من دول الشرق الأوسط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والأردن دليلا على تحولها من لعب الدور الرمزي إلى الدور الأكثر براغماتية.
ويبدو أن سياسة الخطوة خطوة هذه أنجح بكثير من سياسة الهرولة. فدخولها أولا عبر بوابة الشرق الأوسط - حيث تجتمع وتتكاثر أزمات دول العالم الثالث وثراؤه وثرواته الطبيعية ومواقع جغرافيته البرية والبحرية - هو ضمان لدخولها الساحة الدولية من أوسع أبوابها.
وقد لاقت زياراته تلك نجاحا باهرا من وجهة نظر السياسة الروسية والشرق أوسطية، ونجاحا مقلقا من وجهة نظر السياسة الغربية لأنها جاءت في الوقت الحرج الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط والعالم، بينما وقفت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها متفرجين على استيقاظ الدب من سباته.
واعتبر البعض زيارة بوتين تلك إلى الشرق الأوسط لكمة غير متوقعة لسياسة الغرب التي تكيل بمكيالين وأكثر. واعتبرها البعض صفعة مؤلمة. وآخرون ضربة حرة غير مباشرة.
غير أن النتيجة واحدة: فقد سجلت موسكو نقطة أو نقطتين في ملعب السياسة الغربية. وسيكتشف الغرب بعد حين أن روسيا قد سجلت أيضا نقطة أو اثنتين في ملعب المنافسة التجارية والاقتصادية والصناعية من حيث السعر والجودة والنزاهة في التعامل.
صحيح أن روسيا لا تطمح إلى منافسة الدول الغربية في ترويج البضاعة الخفيفة، وإنما في توقيع اتفاقيات باهظة الثمن على مستوى الصناعات الثقيلة والتسلح والتكنولوجيا، إلا أنه ليس من المستبعد في الوقت ذاته أن تؤدي هذه إلى رواج الصناعات الروسية الخفيفة في المنطقة.
غدا سيحط الرئيس بوتين في دولة الإمارات العربية المتحدة كأول زيارة رسمية لرئيس روسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وربما تعقبها زيارة إلى سلطنة عمان.
وهي زيارة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية مهمة تم التمهيد لها منذ زمن طويل من خلال توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية وثقافية بين البلدين توجت بزيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية لموسكو في سبتمبر الماضي.
ترى هل كان المحللون لسياسية البيت الأبيض على حق حينما نصحوا ساساتها بترك الاتحاد السوفييتي في حاله نائما على نظامه السابق؟ وأن البروسترويكا والغلاسنوت ستأتي بعواقب وخيمة على مصالح الغرب؟ يبدو أن سفينة روسيا تسير بعكس ما كانت تخطط له قباطنة الغرب منذ سقوط الاتحاد السوفييتي... وأننا سندخل عصراً جديداً..
فهل هناك من يملك منظاراً يقرب صورة المستقبل القادمة بشكل أكبر؟
جامعة الإمارات
href="dralaboodi@gmail.com">dralaboodi@gmail.com