بعد غياب أو بالأحرى تغييب طويل استمر نحو أربعة عشر عاماً، تعود منظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهة العمل السياسي الفلسطيني، لتستعيد بعضاً من مكانتها. فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو في أكتوبر العام 1993، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في مايو عام 1994، أخذت تتضاءل وتنحسر رويداً رويداً منظمة التحرير التي يعدها الفلسطينيون الإنجاز الأبرز باعتبارها الكيان السياسي والمعنوي والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

انحسار دور المنظمة كقائد للشعب الفلسطيني شكل بداية مرحلة اختلطت فيها الأمور وتداخلت بين منطق الثورة ومنطق الدولة، وإن كانت السلطة مجرد حكم ذاتي مقيد، راهن من وقعوا على اتفاق أوسلو، على أن تكون البداية لقيام وتشكل الدولة الفلسطينية، على أن تلك المرحلة حملت أيضاً مؤشرات أخرى تتصل بانتقال موقع القيادة وثقل العمل السياسي الفلسطيني إلى الداخل،

ودخول نحو خمسة ملايين فلسطيني يقيمون في المهاجر والشتات ومخيمات اللجوء، في مرحلة بيات شتوي حيث تراجع دورهم إلى أدنى الحدود، وعلى الرغم من استمرار الدعوات المطالبة بإعادة بناء وتطوير وإصلاح وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية خصوصاً من قبل فصائل المنظمة بما في ذلك فتح،

وكان ذلك من موقع التمسك بطبيعتها التحررية، وطبيعة العلاقات الائتلافية بداخلها، وباعتبارها جامعة الشعب الفلسطيني وموحدة نضاله، نقول بالرغم من ذلك إلا أن منطق التغييب تغلب على منطق الإحياء.

كانت المطالبة بإحياء دور المنظمة، مقابل السلوك المقصود نحو تغييبها يعكس في ثناياه طبيعة الخلاف السياسي القائم في الساحة الفلسطينية وداخل المنظمة بين من يراهن على تطوير تسوية سياسية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس، وبين من يعتقدون بفشل اتفاقيات أوسلو في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني،

وبطبيعة الحال فإن إصرار قيادة المنظمة خصوصاً الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان صاحب القرار فيها والمتحكم بمصيرها، على أن ثمة ضوء في نهاية النفق، وأن الدولة آتية «يرونها بعيدة، ويراها الرئيس عرفات قريبة» قد أدى إلى مواصلة نهج تغليب منطق الدولة على منطق الثورة.

هكذا تماهت منظمة التحرير كما تماهت حركة فتح التي تقودها في السلطة الوليدة ومع فصل التماهي المتدرج، أصبحت السلطة تحتل مكانة منظمة التحرير كمرجعية سياسية للنظام الفلسطيني. فلقد تباعدت كثيراً اجتماعات اللجنة التنفيذية وجرى إغراقها بحضور قيادي واسع جعل أعضاءها أقلية وسط اجتماعات لا يكترث الناس ببياناتها وقراراتها،

ولم يعقد المجلس الوطني الفلسطيني سوى دورة واحدة عام 1996، بحضور الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون للمصادقة على إلغاء بعض البنود في ميثاق المنظمة بناء على إلحاح إسرائيلي وأميركي، كما تباعدت كثيراً اجتماعات المجلس المركزي وهو الحلقة الوسيطة بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني.

أما بقية مؤسسات المنظمة فقد استحوذت على وظائفها مؤسسات السلطة بحيث باتت تلك المؤسسات مجرد مسميات بلا فعل ولا حضور يذكر، فيما تحولت القيادات النقابية والشعبية لشغل مناصب عليا في وزارات السلطة، إلى أن أصابها التكلس واعتلاها الصدأ.

فكفت عن عقد مؤتمراتها، وفقدت الكثير من مزاياها ودورها، وظلت قيادات من قبل أوسلو تتربع على عرشها حتى اليوم. بعد غياب الرئيس ياسر عرفات، وفي خضم انتفاضة الأقصى، وتصاعد قوة حركة حماس، وفي ظل ضعف السلطة نتيجة تراجع قوتها،

وفي ظل فوضى السلاح والفلتان الأمني الذي سبق الانتخابات التشريعية، تصاعدت المطالبة بإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيلها على أسس جديدة، بهدف استيعاب القوى الإسلامية الناشئة والتي تزداد شعبيتها في إطار المنظمة.

كان من أبرز محطات الحوار الفلسطيني الصاخب بشأن إعادة بناء وترتيب العلاقات الفلسطينية الداخلية وفق التوازنات الجديدة، ما يعرف باتفاق القاهرة الذي تم توقيعه في مارس عام 2005، بعد حوار بين مختلف الفرقاء الفلسطينيين،

على أن الشكوك المتزايدة بين الأطراف المعنية خصوصاً الحركتين الكبيرتين فتح وحماس، بشأن دوافع وأهداف كل منهما إزاء اتفاق القاهرة، قد أدى إلى المماطلة في تنفيذه بحيث ظل حبراً على ورق إلى أن تم إحياؤه نظرياً مرة أخرى في إطار اتفاق مكة مع بداية هذا العام.

خلال الفترة بين اتفاق القاهرة واتفاق مكة، كانت الانتخابات البلدية والتشريعية قد جرت وحققت خلالها حركة حماس انتصاراً مفاجئاً، حيث حصلت على أربعة وسبعين مقعداً يشكلون أغلبية مقاعد المجلس التشريعي المكون من مئة واثنين وثلاثين عضواً.

فكانت تلك بداية مرحلة من عدم الاستقرار السياسي ومن تزايد حدة الاستقطاب وتناوب جولات الحوار والاقتتال، إلى أن وقع الانقلاب الذي قادته حماس وحسمت بالوسائل العسكرية قضية السيطرة على قطاع غزة لصالحها. وإذا كان الانقلاب الحمساوي القشة التي قصمت ظهر البعير، فأحدثت انقساماً شاملاً أفقياً وعمودياً، يتعمق يوماً بعد الآخر،

فإن الرئيس محمود عباس الذي فقد سلطته وأجهزته في غزة، قد أدرك أن العودة إلى منظمة التحرير وتفعيلها وصلاحياتها، هو ربما استعادة سلاح الشرعية والمرجعية التي تمثلها المنظمة لخوض معركته ضد حركة حماس، ولمعالجة النتائج التي ترتبت على انقلابها وأيضاً لمعاقبتها على ما فعلت، وهي غير مستعدة للتراجع عنه.

العودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية ليست عودة إلى طبيعتها التحررية أو تخلياً عن منطق الدولة، وإنما هي حاجة لاستقطاب القوى الأخرى بما في ذلك المعارضة اليسارية، لعزل حماس، وهي حاجة يمليها ضعف السلطة وغياب أدواتها في غزة، وحاجة أيضاً لممارسة صلاحيات قانونية أعلى كمرجعية من مؤسسات السلطة، وفي ظل غياب أو تغييب المؤسسة التشريعية التي لم تسيطر عليها حماس ولم تعد قادرة حتى على عقد اجتماع بنصاب كامل.

وبالإضافة إلى كون منظمة التحرير تشكل المرجعية السياسية والقانونية للسلطة ومؤسساتها فإن إقدام إسرائيل على اعتقال نحو خمسة وأربعين من نواب حركة حماس في الضفة بعد عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت في 25/ 6 /2006، فإن تضارب مصالح كتلتي نواب فتح وحماس في المجلس التشريعي قد أدت إلى شلله الكامل، مما يعطي للرئيس صلاحية إصدار قوانين ومراسيم يضمنها له النظام الأساسي الذي هو بمثابة الدستور المؤقت.

هكذا جرى خلال فترة قصيرة جداً عقد اجتماعين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الأول في 20 /6 أي بعد الانقلاب الحمساوي بأقل من أسبوع والثاني في 18 /7، أي بعد حوالي الشهر على انعقاد الأول، فيما واظبت اللجنة التنفيذية على غير عادتها، على عقد اجتماعات أسبوعية،

وإصدار قرارات هامة واتخاذ مواقف تمحورت معظم الوقت حول كيفية مواجهة الانقسام الفلسطيني، وفي الواقع فإن المنظمة خلال مرحلة ما بعد الانقلاب، قد استعادت بعض حضورها لتعويض ضعف أدوات السلطة،

ولإدارة العمل السياسي ضد حركة حماس وفي اتجاه الاستجابة مع التحرك الدولي في اتجاه تنشيط المفاوضات وإعادة إحياء عملية السلام والاستعداد للذهاب إلى الاجتماع الدولي الذي ينعقد في نوفمبر القادم بناء لدعوة الرئيس الأميركي جورج بوش.

والحال أن إعادة إحياء دور المنظمة على نحو محدود، قد أدى إلى إعادة إحياء الأمل في إمكانية إعادة بنائها وإصلاحها وإعادة تفعيلها، غير أن ثمة من فقد الأمل بإمكانية استخراج مادة حية من مادة ميتة، فما هي طبيعة القرارات التي تتخذها المنظمة، وهل ثمة مجال لإحياء الأمل؟ الإجابة تحتاج إلى مقال آخر.

كاتب فلسطيني