تعد المفوضية الأوروبية ورقة عمل تتضمن مقترحات تستهدف تقييد دخول شركات «البلدان التي تفرض قيوداً على استثمارات المؤسسات الأجنبية مثل روسيا والسعودية»، في سوق الاتحاد الأوروبي. وهو ما يمكن اعتباره إعلانا صريحا ببداية الصراع ضد توسع الشركات الروسية ومنعها من الدخول إلى الأسواق الأوروبية.
وبالرغم من أن المفوضية الأوروبية تدعو إلى ضرورة تحرير الأسواق، إلا أنها بدأت تبحث عن السبل لتصفية الحرية الاقتصادية المنشودة في كل ما يخص تزويد الاتحاد الأوروبي بموارد الطاقة. وتعتبر ورقة عمل المفوضية الأوروبية، التي تطالب بتقييد دخول الشركات الأجنبية إلى قطاع الطاقة في بلدان الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى فرض قيود متميزة على بلدان أجنبية تعرقل نشاط البلدان الأوروبية الاستثماري مثل روسيا والسعودية تعتبر دليلا حيا على تراجعها عن خطابها التاريخي حول حرية السوق.
وما يثير الدهشة أن أوروبا ستظل تعتمد على استيراد الطاقة من مختلف الدول العالم، ومنها روسيا، في نفس الوقت الذي تدعو فيه المفوضية الأوروبية إلى سياسات تهدد مصالح القارة الأوروبية، عبر صياغاتها التي تحاول من خلالها تحويل موردي الطاقة إلى مجرد مؤسسات خاضعة لمصالح ورغبات احتكار المستهلك الأوروبي دون أي مراعاة لمصالح هؤلاء الموردين، أو لحرية السوق.
ومما لاشك فيه أن حظر دخول الشركات الأجنبية إلى الأسواق الأوروبية أمر غير منطقي ولا يمكن تحقيقه، لان قوانين السوق الحر لا تفترض تدخل قوة خارجية لتحديد مساحات ونفوذ الشركات العاملة في الأسواق، وإنما يبقى النشاط الاقتصادي لكل شركة هو المعيار والأداة التي تمكنها في التواجد في الأسواق العالمية والأوروبية.
وقد أعلنت موسكو منذ سنوات مضت أن استقرار أسواق الغاز والطاقة بشكل عام، هو إيجاد إطار أو مظلة تجمع المصدرين والمنتجين لحماية مصالحهم. ويسود اعتقاد في الأوساط الروسية أن سياسة تحرير أسواق الغاز في الاتحاد الأوروبي لم تؤد إلى المنافسة المنشودة،
إذ لم يظهر مصدرون جدد في حين تم دمج مزيد من شركات الطاقة بهدف إحكام قبضتها على السوق. وقد دعت روسيا وإيران إلى تشكيل إطار يوحد منتجي ومصدري الغاز لحماية مصالحهم، باعتبار أنه سيكون أكثر نفوذا من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».
ولابد من الاعتراف ان سياسة استيراد الغاز الأوروبية لا توفر الإمكانية لتنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة لحقول الغاز الشمالية وحقول الغاز في بقية دول العالم، ذلك بسبب تركيز المستورد الأوروبي على العقود قصيرة الأجل، والتي لا تمكن المنتج من وضع خطط لاستثمارات طويلة الأمد في قطاع الغاز والبنية التحتية لقطاع نقل الغاز.
ويعتبر منتجو الطاقة الروس أن الاتحاد الأوروبي يسعى لإجبار البلدان المصدرة على إنتاج الغاز وتسويقه بقوانينه ولتحقيق مصالحه الخاصة دون مراعاة مصالح المنتجين. ويؤكد الباحثون الاقتصاديون أن الاتحاد الأوروبي لا تتوفر لديه أدوات للضغط على منتجي الغاز، إذ يصعب عليه الامتناع عن استيراد الغاز من روسيا ودول الفراغ السوفييتي، بسبب عدم وجود بدائل تغطى احتياجات الدول الأوروبية.
من المعروف أن هدف منتجي الغاز الروس الاستراتيجي هو بيع الغاز إلى المستهلك الأوروبي بشكل مباشر دون الاستعانة بالجهات الوسيطة لزيادة عائداتها. وهو ما يثير قلق الدوائر الأوروبية، خاصة بعد أزمة شركة (غاز بروم) مع الحكومة البريطانية، عندما أقدمت شركة «غاز بروم»
، على توسيع أعمالها في أوروبا الغربية، عبر شراء شركة (سنتريكا) البريطانية التي تزود 12. 6 ملايين مستهلك، وتبلغ حصتها في أسواق تسويق الغاز للمستهلكين حوالي 60%، كما تغطي 15% من احتياجات المؤسسات الصناعية والتجارية البريطانية، ويقدر رأسمال الشركة بحوالي 18 مليار دولار، إضافة إلى أنها تمتلك مليون منشأة صناعية بالطاقة ومحطات كهرباء في بريطانيا وبلدان أوروبية أخرى.
وقد تمكنت هذه الشركة من الدخول إلى الأسواق الأميركية في عام 2000، وحققت أرباحا وصلت إلى 2. 6 مليارات دولار أميركي عام2004. وقد أثارت مساعي (غاز بروم) فزع الحكومة البريطانية، من أمكانية سيطرة شركة أجنبية على مفاصل الاقتصاد الوطني، مما دفعها لتعديل قانون بيع الشركات الصادر عام 2002، إضافة مواد تمنحها حق إلغاء أو تجميد صفقات بيع الشركات في قطاع الطاقة، التي قد ترى فيها مخاطر أو تهديدا لمصالح بريطانيا.
كما طالب وزير التنمية الاقتصادية الإيطالي بييرلويدجي بيرساني في وقت سابق مفوض الطاقة الأوروبي بحماية مصالح المستهلكين من الاتفاق بين شركة الغاز الروسية «غاز بروم» والشركة الوطنية الجزائرية (سوناطراك)، اللتين تسيطران على ما يقارب نصف أسواق الغاز الأوروبية،
باعتبار أن هذا الاتفاق قد يؤثر على أسعار بيع الغاز إلى البلدان الأوروبية. الأوساط الاقتصادية الروسية تعتبر الشركات الايطالية تتعمد إثارة القلق الأوروبي، وتؤكد أن باولو سكاروني، رئيس شركة ENI، هو الذي تسبب في خلق التوتر السياسي.
بعد أن انهارت آماله في السيطرة مشروع إنشاء مصنع لتحويل الغاز إلى سوائل في روسيا. حيث قضت مذكرة التعاون التي وقعتها شركة «غاز بروم» وشركة (سوناطراك) على مساعي الشركة الايطالية، وأسفرت عمليا عن إلغاء المشاريع المشتركة بين الشركتين الإيطالية والروسية.
واعتبر العديد من الخبراء الأوروبيين أن التعاون الروسي ـ التركي في مجال الغاز يمثل تطويقا للقارة الأوروبية حيث تم الاتفاق بين شركة «غازبروم» الروسية وشركة «بوتاش» التركية للنفط والغاز على تصدير الغاز الروسي إلى تركيا.
وخاصة عقب إعلان الجانبين عن عزمهما توظيف جزء من أرباح صادرات الغاز الروسي إلى تركيا في مشاريع تشييد البنية التحتية لنقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية إلى جنوب ايطاليا وإلى دول أخرى وخاصة في الاتجاه الجنوبي.
هذه الملفات تكشف عن أن ورقة عمل المفوضية الأوروبية لا تستهدف حماية مصالح المستهلك الأوروبي وإنما هي محاولة الضغط على منتجي الطاقة، وبشكل خاص على روسيا، بعد أن فشل احتكار المستهلك الأوروبي في السيطرة على منابع الطاقة و التحكم في سياسات موردي الطاقة بما يحقق مصالحه،
لذا بدأ يلجأ لأساليب غريبة عن قواعد وقوانين الاقتصاد الحر، باستصدار قرارات وسن قوانين لحماية مصالحه ويعتقد المحللون الروس أن هدف الإجراءات الأوروبية الإضرار بالنشاط الاقتصادي للشركة التي تحتكر تصدير الغاز الطبيعي الروسي إلى بلدان القارة الأوروبية، خاصة أن توسع نشاط الشركة يشير إلى أمكانية تحولها لأكبر احتكار عالمي، باعتبار أنها تملك أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، يتخطى 250 مليار دولار.
ويخطئ الاتحاد الأوروبي إذ يعتقد أن منتجي الطاقة سيكونون مجرد متفرجين في صراعه الساعي للسيطرة على منابع الطاقة، خاصة وان هذه السياسات تضر بمصالح المستهلكين والمنتجين في آن واحد. إن مساعي روسيا لبناء علاقات تعاون
وتنسيق بين المنتجين والمستهلكين هي السبيل الأمثل لحماية أمن الطاقة، لأنها ستمكن المنتج من تحديث وسائل استخراج ونقل الطاقة، وستضمن للمستهلك حصوله على كل احتياجاته دون حدوث آية أزمات تؤثر على نشاطه الصناعي و متطلبات المستهلك.
مركز دراسات الطاقة - روسيا