في روايته المتميزة «تاكسي» يروي خالد الخميسي قصصه مع سائقي التاكسي في القاهرة، حيث تتنوع القصص بين السياسية والاجتماعية والخرافية في عمل أدبي فريد يعكس واقع المجتمع المصري، ولا أظنني قرأت كتاباً يصور حال المجتمع مثلما يصوره هذا الكتاب، وعلى الرغم من سطحية القصص المروية إلا أنها تشكل في مجموعها قضايا مهمة للمواطن البسيط.
وقبل عدة أيام أخبرني أحد الزملاء عن قصة صديقه الكندي الذي زار دبي لأول مرة قبل عدة أيام، وفي إحدى رحلاته داخل الإمارة رأى علم الدولة فسأل سائق التاكسي عن معنى العلم وعن المغزى من اختيار ألوانه فقال له:«اللون الأسود يعني النفط،
فهذه الدولة غنية بالنفط وسكانها يريدون أن يتباهوا أمام العالم بذلك، واللون الأحمر يعني أن الإماراتيين دمويون وليس في قلوبهم رحمة، واللون الأبيض يعني بأنهم يحاولون أن يغيروا أنفسهم إلى الأفضل ولكنهم لم يستطيعوا حتى الآن، أما اللون الأخضر...(صمت) يعني أن الشوارع تزرع دائماً بالحشيش».
عندما أخبرني زميلي عن هذه القصة تذكرت سائق تاكسي في سنغافورة التي عدت منها قبل أسبوع حيث كنت أعتمد عليه اعتماداً كلياً في تنقلي داخل المدينة. وفي سنغافورة هناك نوعان من سيارات التاكسي، النوع الأول هو النوع القديم الذي تفوح منه رائحة الأرز والمعكرونة ـ الوجبة المفضلة لدى الصينيين ـ هو أيضاً النوع الذي تسعى الحكومة للتخلص منه وإحلال النوع الثاني
وهو تاكسي السيارات المرسيدس الفخمة، وعلى الرغم من أن أجرة الثاني أعلى من الأول إلا أن السياح يفضلونه ليس لنظافته فقط ولكن لطريقة تعامل سائقيه الذين يمثلون قطاع السياحة في سنغافورة أكثر من تمثيلهم لقطاع النقل.
ففي سنغافورة يتم تدريب سائقي النوع الثاني من سيارات التاكسي على فهم «الثقافة السياحية» إن جاز التعبير، حيث تعد هذه العملية إحدى مبادرات تحسين الخدمات العامة في المدينة، كما تهدف الحكومة من خلال هذا التدريب إلى توسيع آفاق السائق ومنحه مهارات إضافية قد تفتح له آفاقاً أرحب في المستقبل للحصول على وظيفة أفضل في قطاع السياحة.
ولكي يحصل شخص ما على رخصة سواقة التاكسي فإن عليه أن يستوفي جميع الشروط المتعلقة بذلك والتي من أهمها اجتيازه لامتحان «مهارات الدليل السياحي» بعد أن يكمل تدريباً مكثفاً لمدة 82 ساعة يتعلم فيها أسلوب التخاطب مع الناس ويتعلم أيضاً تاريخ البلاد وأهم الأحداث في مسيرتها قبل الاستقلال وبعده، ويتعلم أيضاً مميزات مدينته عن المدن الأخرى فهو دليل سياحي
كما قلنا قبل أن يكون سائق تاكسي، حيث أخبرني السائق - الذي اتفقت معه على أن يقلني كل يوم ـ أنه يحمل رخصة سياحية وأصر أن يأخذني في جولة داخل المدينة، وإن نسيت ما نسيت فإنني لن أنسى تلك الجولة التي كانت رحلة إلى التاريخ قبل كل شيء، تعرفت خلالها على أهم الأحداث التي مرت على سنغافورة منذ قدوم أول بريطاني إليها ويدعى «رافلز»
ولذلك فإن كل شيء في سنغافورة يسمى باسمه كفندق رافلز الفخم ومستشفى رافلز ومسرح رافلز وغير ذلك، وتعرفت خلالها على مختلف الثقافات التي تسكن البلاد منذ عشرات السنين كالملاويين والصينيين والهنود،
وكيف أن لكل جالية مكانا خاصا بالتسوق والعبادة واللهو والتجمع وغير ذلك... كل ما قرأته عن سنغافورة اختصرته في ثلاث ساعات مع مرشد سياحي يقود سيارة تاكسي، مع إضافة نبذة تاريخية لكل مكان ولمحة اجتماعية وسياسية واقتصادية عن تلك الأماكن.
وفي «بانجلور» التي تمثل مركز التكنولوجيا في الهند والقارة الآسيوية يجب على سائقي التاكسي أن يتدربوا على ثقافة البلد ـ على الرغم من كونهم مواطنين ـ قبل أن يحصلوا على رخصة القيادة، وذلك حتى يتحدث الجميع لغة واحدة وحتى لا يحصل السائح على معلومات متضاربة أو مغلوطة من هؤلاء السائقين. ولكن التدريب في بانجلور له نكهة مختلفة،
حيث يحضر سائقو التاكسي مسرحيات تتحدث عن تاريخ المدينة وثقافة الهند بشكل عام، كما يمكن للسائقين أن يشتروا أفلاماً وثائقية أعدتها وزارة السياحة خصيصاً لهم ليرفعوا محصلتهم الثقافية، وقامت بعض الشركات بتصميم ألعاب إلكترونية تدور حول أهم المعالم السياحية وأبرز الجوانب الثقافية في المدينة، وبعد أن يحضر السائق تدريباً مكثفاً فإنه يخضع لاختبار يحدد على أساسه «أهليته» للحصول على رخصة قيادة تاكسي أم لا.
إن سائق التاكسي هو السفير المفوض للتحدث دون رقابة أو قيود عن المدينة التي يعمل بها، وهو المرآة التي تعكس ثقافتها وتراثها وصورتها أمام السياح، وبالتالي فهو المسؤول عن إعطاء صورة حضارية عن المدينة التي يمثلها، وفي العديد من المدن يتم تدريب موظفي الفنادق كذلك على ثقافة البلد حتى وإن كانوا مواطنين، فما بالنا بالمدن التي لا يشكل المواطنون النصف بالمئة من قطاع السياحة فيها.
في سيارات التاكسي يجتمع كل أصناف البشر ويتعلم السائح معظم الأشياء التي يرجع بها من أي بلد زاره، وفي سيارات التاكسي تدور حوارات أكثر تأثيرا أحياناً من تلك التي تدور في غرف اجتماعات الشركات التجارية، وإن أردنا لمدننا أن تكون عالمية فعلينا أن نعطي التاكسي أهمية قصوى تماماً مثلما نهتم بطائراتنا ومطاراتنا وقاعات استقبال كبار الشخصيات.
قبل أن ينزل ضيفنا الكندي من سيارة التاكسي سأل السائق عن سبب ارتداء بعض النساء لقطعة قماش سوداء على وجوههن فقال له السائق:«حتى تمنع الحكومة الرجال من تقبيل النساء في الشوارع»®®. نزل الضيف مصدوماً مما سمع وعندما التقى بزميلي قال له:«كيف تفخرون بدمويتكم وبنفطكم وتضعون رموز ذلك على علم دولتكم!
ولماذا لا تقبلون النساء في الفنادق بدل الشوارع إذا كانت الحكومة تمنع ذلك!» وقبل سنة سألت أحد سائقي التاكسي الآسيويين عن سبب شراء مؤسسة التاكسي لسيارات أميركية فقال:«عندما علمت أميركا بأن المؤسسة لا تشتري إلا السيارات اليابانية غضبت واتصلت بمدير المؤسسة وأمرته بأن يشتري سيارات أميركية فنفذ الأمر على الفور».
على الرغم من أنني لم أصدق ما قال إلا أنني على ثقة تامة بأن صاحبنا الكندي قد عاد إلى بلده ليحكي لأصحابه عن دمويتنا وعن نفطنا وعن نسائنا اللائي بتن يخشين التقبيل في الشوارع.
باحث إماراتي