يمكن القول بداية إنه هناك هوس كبير لدى بعض الدول الصغيرة بإلقاء نفسها في أحضان الغرب وخاصة في أحضان الولايات المتحدة الأميركية جريا وراء شعارات وهمية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وبعض الأنظمة الحاكمة في الدول الصغيرة تهرول ناحية واشنطن لأهداف ومصالح خاصة لدى السياسيين القائمين على هذه الأنظمة، وليس بدافع مصالح الشعوب.

وكلنا نعلم أين تذهب المعونات والمساعدات الأميركية التي تتلقاها هذه الأنظمة والتي لا يصل لشعوبها منها شيئاً، ولم نسمع أن أميركا سعت لبناء مصنع أو مدرسة أو مستشفي أو إصلاح بنية تحتية أو حتى منحت لأبناء الشعوب الأخرى الصغيرة والفقيرة منح دراسية مجانية، على الأقل في السنوات السبع الماضية، كل ما نسمعه هو السلاح الأميركي والدمار والخراب والحروب المستمرة وغير المبررة والملايين من القتلى والجرحى والتدخلات في شؤون الدول وخرق سيادتها. هذه المقدمة أردنا بها أن نمهد لحديثنا عن الأزمة الدائرة الآن بين روسيا و جورجيا.

هذه الدولة الصغيرة التي كانت ضمن منظومة الاتحاد السوفييتي السابق واستقلت بعد انهياره لتهرول مثل غيرها من بعض الدول لترتمي في أحضان واشنطن وتعرض عليها خدمات وتنازلات كبيرة لا من أجل شيء سوى من أجل مصالح حفنة من الساسة ضعاف العقول الذين لا تهمهم شعوبهم في شيء بقدر ما يهمهم مصالحهم الشخصية والشهرة والنجومية الكاذبة التي تصنعها لهم واشنطن.

منذ أن اندلعت الثورة الوردية في جورجيا في خريف عام 2003 وتولي الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي الحكم فيها والسياسة الخارجية لجورجيا تنجرف بشكل كبير نحو واشنطن دون إعطاء أي اعتبار أو اهتمام لمصالح الشعب الجورجي، والواقع أن روسيا لا يهمها كثيرا أن تتوجه جيرانها من الدول الأخرى من منظومة الاتحاد السوفييتي السابق نحو الولايات المتحدة أو غيرها، فهي تعلم جيدا أن هذه دول مستقلة تملك الحق في اختيار مع من تتعامل و مع من لا تتعامل.

ولا يهمها أيضا أن تبقى هذه الدول على علاقاتها معها أو تقطعها فهي حرة في ذلك أيضا، لكن ما يهم روسيا ألا يكون توجه هذه الدول نحو واشنطن يهدف في الأساس إلى الإضرار المباشر بمصالح روسيا وبأمنها القومي، وألا تتعمد هذه الدول إثارة روسيا واستفزازها بغرض جرها لنزاعات وصدامات تستنزف قواها وإمكانياتها وتشغلها عن عجلة التنمية والتطور التي تسير بها الآن، وللأسف الشديد أن دولة مثل جورجيا تفعل ذلك الآن وبإمعان واضح.

لقد اختلقت جورجيا مؤخراً منذ أيام أزمة الصاروخ المجهول الذي ادعت أن طائرة روسيا أطلقته على أراضيها بالقرب من حدود جمهورية أوسيتيا الجنوبية المنفصلة عن جورجيا منذ ثمانية عشر عاما، وذلك بهدف إثارة المجتمع الدولي ضد روسيا وتشويه صورة النظام الحاكم في روسيا، وقد أثبت المراقبون الدوليون المتواجدون في المنطقة ضمن قوات حفظ السلام كذب ادعاء جورجيا.

وقال المراقبون إنهم لم يرصدوا أي تحليق لأي طائرات روسية في المنطقة، ولكن رغم هذا يتعنت النظام الحاكم في جورجيا ويصر على عناده وعلى أكاذيبه، وتذهب واشنطن بدوها لتدعم موقفه وتدين ما أسمته على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية الاعتداء على سيادة جورجيا وأراضيها، هذا على الرغم من عدم ثبوت صدق هذا الادعاء وتكذيب المراقبين الدوليين له.

ولكن ماذا يريد الرئيس الجورجي ساكاشفيلي من هذا التصعيد مع روسيا؟

بالقطع إنه لا يريد مصالح شعبه الذي لا يريد أي مشاكل مع روسيا، ولنا أن نعلم أن جورجيا دولة فقيرة اقتصاديا ولا تنتج ولا تصدر سوى منتجات زراعية والنبيذ المشهورة به والمياه المعدنية، وأن إنتاجها لا يجد له أي سوق خارجية سوى روسيا، وأن أكثر من مليون مواطن من خمسة ملايين هم تعداد سكان جورجيا يعملون في روسيا ويرسلون الأموال لعائلاتهم في جورجيا ليعيشوا منها.

وأن السوق الروسية وحدها تستوعب نحو 85% من صادرات جورجيا من المنتجات التي ليست السوق الروسية في حاجة إليها والمتوافرة داخل روسيا وبأرخص الأسعار، ولنا أن نعلم أيضا أن جورجيا تعتمد بشكل كامل على مصادر الطاقة من النفط والغاز من روسيا ولا يمكنها أن تحصل عليها من جهات أخرى.

إذا ماذا تقدم الولايات المتحدة لجورجيا والشعب الجورجي؟ وهل ستطعمه وتدفئه في الشتاء البارد بشعارات الحرية والديمقراطية ؟ كما يقال في الأمثال «إذا عرف السبب بطل العجب»، الشعب الجورجي يرفض تماما أي توتر في العلاقات مع الجارة التاريخية الكبيرة روسيا، ولكن نظام الرئيس ساكاشفيلي الذي تلقى حتى الآن من واشنطن مساعدات مالية تقترب من المئة مليون دولار.

والتي لم يصل منها للشعب الجورجي سنتا واحدا، بل ذهبت كلها في أرصدة الرئيس ساكاشفيلي وحاشيته، هذا النظام يعلم جيدا أن عمره قصير في الحكم وأنه لن يصمد أمام الغضب الشعبي، وأن عليه أن يجمع من الثروات وبأسرع ما يمكن ما يستطيع جمعه، ولهذا فهو يسارع بفعل كل ما تأمره به واشنطن من أجل المال فقط وليس من أجل شيء آخر، وإلا ما الداعي لأن يقرر ساكاشفيلي إرسال ألفي جندي من جيشه إلى العراق في الوقت الذي تسحب فيه الدول الأخرى جنودها من هناك.

وما الداعي لأن يقف ساكاشفيلي ويعلن على الملأ أنه على استعداد لفتح أراضي بلاده لتنطلق منها الطائرات الأميركية لتضرب إيران إذا أرادت واشنطن ذلك، وما الداعي لأن يضرب عرض الحائط بمصالح ومطالب شعبه ويعرض اقتصاد بلاده للانهيار التام بحرمان إنتاجها من السوق الروسية المفتوحة لها؟

ساكاشفيلي يزج ببلده جورجيا الصغيرة في لعبة كبيرة لن تعود عليها سوى بالخراب والدمار، إنه مكلف من قبل واشنطن بتفجير الأوضاع في منطقة القوقاز على الحدود الروسية بهدف جر روسيا لنزاعات على حدودها تستنفذ قواها واقتصادها وتمهد لتفتيتها وتجزئتها.

وهذا هو نفس المخطط الذي كان مطلوب من الشيشان ولكن روسيا تعاملت معه بقوة وشراسة وحسمته تماما باعتبار أن الشيشان جزء من روسيا، أما بالنسبة لجورجيا فما زالت موسكو تتحلى بالصبر والهدوء والتحمل من الجارة الصغيرة حرصا على الروابط القوية بين الشعبين الروسي والجورجي، ولكن بالقطع أن الصبر الروسي له حدود، وإذا فرغ صبرها فستكون العاقبة كبيرة.

جامعة سيبيريا ـ كاتب ومحلل سياسي روسي