حين يجري التأريخ للسياسة الأميركية الخارجية في عهد الرئيس بوش الابن، سيلاحظ المعنيون حجم الخراب القياسي الذي أوقعته هذه الإدارة بتقاليد العلاقات الدولية وأحكامها القانونية والسياسة والأخلاقية، تلك التقاليد والأحكام والقيم التي راكمتها خبرة الأمم والشعوب بتضحيات جسيمة منذ تبلور الدولة القومية قبل زهاء أربعمئة عام.
يومئذ سيتوقف هؤلاء أمام سمات بعينها ابتدعها هذا العهد وأوغل فيها بما أدى إلى إثارة الشكوك حول صدقية تراث السياسة الأميركية تجاه قضايا بسط الديمقراطية وحقوق الإنسان وعالم النظام والقانون وحجية التنظيم الدولي ومبادئ استقلال الشعوب وحريتها في تقرير المصير.
كذلك يبدو لافتاً أن كثيراً من تصرفات إدارة بوش الابن هي أقرب إلى العنجهية والتسلطية والشخصانية والتأثر بالميول الإيديولوجية الذاتية( وبعضها ميتافيزيقي) والكذب والخداع، منها إلى الرشد والحسابات العقلانية المصلحية الباردة ومراعاة نوازع الرأي العام التي طالما أدعت الديمقراطيات الغربية، الأميركية بخاصة، صيانتها والعمل بهديها.
أيضا ستكتشف مثل هذه القراءة الموضوعية بأثر رجعي ان شعوب منطقة «الشرق الأوسط »، لاسيما العربية منها، كانت الأكثر تضرراً من جرائر ولايتي بوش المطبوعة بتوجهاته ورؤاه ذات الفسطاطين (من مع أميركا ومن ضدها) والمأخوذة بالمعايير الصهيونية القحة. وستكون أرواح مئات ألوف العراقيين وبضعة آلاف من الأفغان والفلسطينيين شاهداً على هذه الحقيقة التاريخية المريرة.
علاوة على ذلك، سيقال إن هاتين الولايتين حفلتا بما يقلل من شأن النموذج الأميركي في إدارة الشؤون والقضايا الساخنة أميركياً وعالمياً. هذا على اعتبار أن بوش وبطانته من المحافظين القدامى والجدد، انصرفوا إلى إثارة الأسئلة الصغيرة التكتيكية والمعالجات الموضعية بالمسكنات والمهدئات والأسباب الهروبية ؛ عوضا عن التعامل مع هذه القضايا وتوابعها بعقلية إستراتيجية ومنظورات كليانية شاملة عميقة وممتدة.
تأمل مثلا الكيفية التي يقارب بها الرئيس الأميركي أزمة عراق ما بعد الغزو والاحتلال.. انه يتحدث بلا ملل عن دور إيران وسوريا في تعقيد هذه الأزمة وعن مماحكات القوى العراقية وكيدها لبعضها البعض وعن ما ينبغي ولا ينبغي لحكومة المالكي أن تفعله ومالا تفعله لتتدارك أحوال البلاد والعباد، وعن معركة بلاده النبيلة ضد إرهاب القاعدة ونظائرها ومنازلتها هناك، ثم انه مازال يبذل وعوده بشأن عراق الغد المشرق البسام الديمقراطي!.
في إطار هذه المقاربة الضحلة السطحية المفعمة بالمفردات والتفصيلات شبة السخيفة، لا يستطرد بوش وإدارته إلى ما هو أبعد غورا وجدارة بسياسة أقوى دولة عرفها التاريخ.. تغيب عنه الأسئلة الجذرية الكبيرة ذات الصلة بماضي وحاضر ومصير سياسته العراقية، التي أوحلته و دولته العظمى وغمستهما في دائرة من الإرباك والحيرة على نحو لا سابقة له أميركيا في شؤون الشرق الأوسط وذلك من قبيل: من المسئول بغبائه وغروره وحماقته السياسية، قبل أي طرف، عن هذا الوضع المأساوي عراقيا والبائس أميركيا؟.
أي منطق في مطالبة قوى مجاورة للعراق، تشاركه الموروث العرقي أو الديني أو المذهبي أو الثقافي التاريخي أو كل هذه الأبعاد معا بكف مداخلاتهم ورفع أيديهم عنه، فيما تبرر واشنطن احتلالها لهذا البلد و اختطافه بالكامل وهى الغريبة عنه بمسافة فلكية ولا تصلها به وشيجة ما؟. من قال ان الغزو والاحتلال لا يستدعيان المقاومة منذ خلق الله الأرض وما عليها ؟.
أيمكن لنخبة من الموتورين وأصحاب المصالح والأحقاد الشخصية، المحفوزين بالطائفية والمناطقية، ان يؤتمنوا على قيادة عراق اليوم أو الغد ؟!. أليس جديرا بالتفكير الجاذب لافئدة العرب ومشاعرهم نحو الولايات المتحدة الإقلاع دفعة واحدة عن احتلال العراق، وتخليص الفلسطينيين من القهر والاحتلال الإسرائيلي، أقله عملا بوصايا بعض عقلاء السياسة الأميركية ومنظريها؟!.
لا يبشر بخير لمستقبل مكانة الولايات المتحدة وهيبتها الشرق أوسطياً أو حتى دولياً، أن تقع مؤسسات الحكم والسياسة وسلوكياتها الخارجية تحت طائلة زعامة محدودة القدرات والخيال السياسي على شاكلة بوش الابن والذين معه. ولا ندري إن كان التلاقي والانسجام بين طبائع هذه الزعامة وسماتها وبين مواصفات القيادات الإسرائيلية الراهنة قد جاء بالصدفة. فالأخيرون مغرمون بدورهم بالتوقف عند ظاهر القضايا الملحة عليهم والاستغراق في القشور، وبينهم وبين المدارسات المعمقة لمستجدات بيئتهم الخارجية وأحوالهم الداخلية ما يوحي بالقطيعة، شأنهم شأن شركائهم في واشنطن.
على أثر نكستهم العسكرية في حربهم على حزب الله ولبنان 2006، انخرط معظم أصحاب القرار والرأي الإسرائيليين في التناظر حول قضايا قصيرة النظر والنفس، مثل أنه لو لم يهتم رئيس الأركان بأرصدته في البورصة، ولو لم ينشغل وزير العدل بمعاكسة الفتيات، ولو لم يكن رئيس الوزراء مرتشيا، ولو تم تغيير قائد الجبهة الشمالية فور بدء الحرب، ولو وازن الجيش بين اعتماده على سلاحي الجو والبر، لما فشلت الدولة في مواجهة حزب الله !.
ومن المعلوم الآن كيف جاء تقرير فينوغراد للتحقيق في مجريات الحرب موحيا بان استئناف مسيره الظفر الإسرائيلي في الحروب ضد العرب مرهونة فقط بالتغلب على هذه النقائض الصغيرة ونحوها. والحال أن قلة قليلة فقط من الإسرائيليين هي التي راحت تراودها أسئلة كبيرة أكثر جدية، تتعلق بصورة الدولة وقوتها الردعية وعيوبها الظاهرة والخفية ومصير وظيفتها والهجرة منها واليها، وما ان كانت «نكستها» نتاجا لمحددات ومتغيرات بنيوية سلبية طويلة المفعول لديها أم لعوامل أخرى ايجابية في أداء العرب..
لكن هذه الفئة الإسرائيلية الأكثر حكمة وترويا مازالت محاصرة بغربان الأغلبية وهى محدودة الطاقة والاشعاع والتأثير، حالها في ذلك حال الذين يستعطفون بوش الابن بالتخلي عن حلمه الإمبراطوري من المدخل العراقي. ولا أدل على سيادة قماشة المتنفذين السطحيين وقصار القامة قياديا هنا وهناك من إبرام صفقة الدعم الأميركي لإسرائيل مؤخراً بثلاثين مليار دولار للسنوات العشر المقبلة. فما يفهم من هذه الخطوة أننا بصدد قادة مولعين بسياسات القوة أولاً وأخيراً.
وليس ثمة أغبى وأسخف ممن ينتصرون لهذه السياسات بحسبها ضمانة لانخراط إسرائيل في عملية التسوية. فهذه الدولة لم تفتقر يوماً لما يجعلها متفوقة عسكرياً على العرب فرادى ومجتمعين.. ومع ذلك لم تمض في هذه العملية بنية خالصة في أي وقت. والأهم أن القوة الأميركية الجبارة التي احتلت العراق في عشرين يوماً لم تضمن لواشنطن استقراراً ولا أمناً هناك.
كاتب وأكاديمي فلسطيني