حين تخسر... لا تخسر الدرس «الدالاي لاما». منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في العقد الثاني من القرن المنصرم عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، انتهى عصر الحكومات الدينية في منطقة الشرق الأوسط، وهو عصر طويل ابتدأ بالفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري (القرن الثامن الميلادي) ودام قرابة ثلاثة عشر قرناً.
فالدول التي تأسست في هذه المنطقة، وفق اتفاقية سايكس - بيكو، غلب عليها الطابع المدني الأكثر قرباً إلى العلمانية، فدساتيرها وقوانينها والأعراف التي نشأت في أطرها فيها الكثير من المعالم الليبرالية، فالدستور العراقي لعام 1925 على سبيل المثال، لم يتح المجال لتأسيس دولة دينية رغم أن إحدى مواده تنص على أن الدين الإسلامي هو أحد مصادر التشريع.
هذا بالطبع أمر مفهوم فمن أشرف على هيكلة الشرق الأوسط ورسم خرائطه وبناء دوله هو من انتصر في تلك الحرب، بريطانيا وفرنسا اللتان سعيتا إلى تأسيس دول مستقرة لرعاية مصالحهما على الأمد الطويل. إلا أن تركيا قد تميزت عن بقية دول المنطقة بنهج علماني واضح المعالم نص عليه دستورها الذي فصل بشكل كلي بين المؤسستين الدينية والمدنية، فمؤسسات الدولة سواء كان الأمر يتعلق بهوية شاغلي المراكز المهمة في هياكلها أو بمنهج العمل الذي تبنته تعمل بآليات مدنية علمانية.
والحقيقة أن الفصل بين المؤسسة الدينية والدولة في تركيا لم يكن يعني استقلالية هذه عن تلك بل إن هذا الفصل قد خلق نوعاً جديداً من العلاقة بينهما وهي تبعية معاكسة، فالمؤسسة الدينية نفسها أصبحت تعمل تحت إشراف المؤسسة المدنية. فقد وضع مؤسس تركيا الحديثة، كمال أتاتورك، نصب عينيه الأخذ بالنموذج الأوروبي الغربي في تأسيس هياكل الدولة التركية وما تستند إليه من قوانين وتقاليد وأعراف وأساليب عمل، مديراً بذلك ظهره لإرث الإمبراطورية العثمانية التي حكمت منطقة واسعة من العالم في آسيا وأفريقيا وأوروبا على مدى أربعة قرون، وفي قطيعة تامة مع تأريخها.
ولكن مع وصول القرن العشرين إلى عقده الثامن بدأت القوى والأحزاب الدينية في عدد من دول الشرق الأوسط بالصعود وبدأت تفرض واقعاً سياسياً جديداً في المنطقة، وكان أبرز المؤشرات على ذلك هو نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 .
وما أعقب ذلك من تعضيد للإسلام السياسي في الدول الأخرى لأسباب مختلفة: سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان وصعود حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى سدة الحكم بأغلبية كبيرة في فترتين انتخابيتين، ومجيء حكومتين لهما لبوس ديني في العراق بعد انتهاء مهمة الحكومة المؤقتة التي تشكلت عقب حل مجلس الحكم الذي تشكل بعد احتلال العراق، وفوز حركة حماس في الانتخابات النيابية الفلسطينية الأخيرة، وتعزيز الأخوان المسلمين لمواقعهم في البرلمان المصري.
لا تتسع المساحة هنا للحديث عن تجارب الحكومات أو الحركات ذات الطابع الديني في البلدان المختلفة، بل سوف نكتفي بتسليط بعض الضوء على التجربة العراقية بعد مرور ما يزيد على أربع سنوات من سيطرة الحركات الدينية على الشارع العراقي وعلى المفاصل الأساسية في العملية السياسية.
فقد بينت استطلاعات أميركية كُشف عن نتائجها في واشنطن ونُشرت مؤخراً بأن هنالك تحولاً متزايداً في المزاج السياسي لدى العراقيين نحو العلمانية ونحو تغليب الهوية الوطنية على هوية الانتماء المذهبي. فقد رصدت تلك الاستطلاعات التي أجريت على عينات تتناسب أعدادها مع ثقل المكونات الأساسية للمجتمع العراقي (الشيعة والسنة والأكراد) في الفترة الواقعة بين ديسمبر عام 2004 ومارس عام 2007، وجود «انخفاض في التأييد الشعبي لوجود حكومة دينية وزيادة تأييد النظام السياسي العلماني».
فقد ذكر منصور معدل الأستاذ والباحث المتخصص في العلوم الاجتماعية بجامعة شرق ميشيغان والذي أشرف على هذا الاستطلاعات: إن لدى العراقيين شعوراً قوياً بالهوية الوطنية يتجاوز الخطوط الدينية والسياسية». وبلغة الأرقام، وهي الأكثر دقة، أظهرت هذه الاستطلاعات (مارس 2007) بأن 54% من العراقيين يصفون أنفسهم بأنهم عراقيون قبل أي شيء مقارنة مع 28% في ابريل من عام 2006، وأن هذه النسبة بلغت 75% لدى سكان العاصمة بغداد، أكثر المدن العراقية تنوعاً في الانتماءات وأكثرها تفجراً.
وتعكس هذه النسبة المرتفعة في بغداد ردود أفعال العراقيين الغاضبة والمناهضة لنوايا تقسيم البلاد على أسس عرقية وطائفية التي تزايد الترويج لها مؤخراً كأحد السيناريوهات المحتملة لمعالجة الأزمة العراقية، وكان آخرها ما أشار إليه الصحافي الأميركي توماس فريدمان في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في الثلاثين من أغسطس المنصرم.
كما أبانت هذه الاستطلاعات أيضاً، بأن هنالك تغيراً آخر ملحوظاً في موقف الشارع العراقي حيال العلاقة بين الدين والسياسة، حيث ذكر 30% من العراقيين في الاستطلاع (مارس 2007) بأن العراق سيكون مكاناً أفضل إذا تم الفصل بين الدين والسياسية في حين كانت هذه النسبة 18 % في أكتوبر من عام 2006 وكانت 26% في ديسمبر من عام 2004.
نحن لا نفترض بأن جميع من شملهم استطلاع الرأي المذكور واع للمعنى الكامن في العلمانية، فذلك موضوع آخر لا نود الخوض فيه الآن، إلا أن من أدلى بصوته لصالح الابتعاد عن الأجندات الدينية وفضل التمسك بالهوية الوطنية قد دفعته لذلك تجربته الشخصية لمدة تزيد على أربع سنوات مرة سربلت العراق بالدماء.
حيث شهد فيها مرارة التطاحن العبثي وغياب الإنجازات وكثرة العطلات المهدرة لفرص البلد في التقدم وتردٍ في الخدمات على مختلف المستويات. فلم يحصد الإنسان العراقي من العملية السياسية حتى الآن غير الريح، حصد الكثير جداً من وعود خلابة وحصد الكثير من الكلام المعلب في عُلبٍ وُضعت على أغلفتها رموزاً دينية يَكُنُ لها الجميع كل احترام ويشذ عن ذلك من أسهم في توظيفها لتحقيق أجندته السياسية.
وتعزز هذه الدراسة ما سبق أن أشرنا إليه في أكثر من مقال في السابق وهو أن ما يبدو صراعاً طائفياً في الساحة العراقية هو في حقيقته ليس كذلك، بل هو صراع مصالح سياسية وُظف المذهب والعرق فيها للحصول على أدوات التغيير في هيكل الدولة العراقية لتحقيق أجندة خاصة.
إن المتابع للمَشاهد التي تنقلها مختلف الفضائيات عن الوضع في العراق، لا يستطيع أن يتجاهل التغير الواضح الذي يحصل في الشارع العراقي، فموجة الغضب لدى الفرد العراقي في تصاعد وهو يرى بأن النخب السياسية التي منحها ثقته وأوصلها إلى المناصب العليا في الدولة لم تقدم له مكسباً ملموساً، وبدأ يدرك حجم الدمار الذي لحق بالبلد بسبب الأخطاء الخطيرة التي وقع فيها معظم العراقيين حين اختاروا الاصطفافات الطائفية والعرقية كآليات في العملية السياسية حيث لم يُوظف البرنامج الانتخابي ولا شخصية المرشح للحصول على الشرعية الانتخابية كما هو معروف في التجارب الديمقراطية الناجحة.
لقد دفع الشعب العراقي حتى الآن ثمناً باهظا لصياغة تجربته السياسية وربما لا يزال أمامه المزيد ليدفعه كي يسترجع رشده كاملاً ويفيق من خدر حلم لم يرسم على أرض الواقع إلا صوراً مشوهة للديمقراطية وشرعية انتخابية تفتقر إلى شرعية الإنجازات.
عندها سيوظف الناخب العراقي صوته الانتخابي لصالح البرنامج السياسي المطروح أمامه ويتحرى عن مدى اتفاق هذا البرنامج مع ما يحلم به أو ما يطمح بتحقيقه من المكاسب سواء على مستوى تحسين الخدمات الصحية أو التعليمية أو تحسين دخله وطمأنة الأسرة على مستقبل أبنائها، ويتخلى عن موقف الاصطفافات المذهبية الخاطئة والبعيدة كلياً عن النهج الديمقراطي. فقد أوشكت هذه الاصطفافات أن تمحي العراق من الخارطة، بعد أن بعثت بما يزيد على المليون من أبنائه إلى حتوف لم يختاروها.
كاتب عراقي