الذي تابع مسيرة «حماس» منذ تأسيسها وحتى فوزها بالانتخابات التشريعية الفلسطينية كان يتصور أن قياداتها وأعضاءها ملائكة تمشي على الأرض أو مشاريع شهداء يطيرون بأجنحتهم في الجنة، ربما كان عدد من شهداء الحركة كذلك بالفعل، لكن الذين بقوا وصنعوا مرحلة السلطة شوهوا كل شيء.. من قداسة المقاومة إلى فكرة أن يتولى فصيل عربي إسلامي السلطة دون أن يدفع من انتخبوه وأيدوه إلى ندم لاحق، على من تصوروه موسى فوجدوه أعتى من فرعون.
أنا واحد من هؤلاء الذين أيدوا «حماس» ليس انطلاقا من قناعة بأدبيات الحركة ولا أفكارها العقائدية، وإنما قناعة بخط المقاومة الذي اعتمدته لاسترداد الحقوق السليبة.. كنت أؤيد فكرة المقاومة بغض النظر عن عقيدة من يقاوم سواء كان إسلامياً أو ليبرالياً أو حتى ملحداً ليقين بداخلي أن حملة الأفكار النبيلة يلتقون في نهاية المطاف، وإن بعدت الشقة بينهم شكلا.
ابتهجت بفوز «حماس».. نعم حدث هذا، وابتهجت أكثر باتفاقها مع «فتح» على قواسم مشتركة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتصورت أن القضية تدخل فصلا جديدا في تاريخها يجعل الفلسطينيين يمسكون بوجهي العملة.. دهاء السياسة وقوة شكيمة السلاح.. لم أكن أتصور أن أصحاب «الأيدي المتوضئة» سيرفعون بنادقهم يوما في وجه فلسطيني يخالفهم التوجه السياسي، ولو رفع بندقيته في وجوههم.. تصورت أن السلاح طاهر مثلما كنت أتصور أصحابه، وأن النوايا طاهرة، فالفلسطيني المنكوب ألف مرة لا يحتاج إلى نكبة جديدة تتمثل في أن يرفع «رفيق الكفاح» سلاحه في وجهه.
لكن أسوأ الكوابيس حدث على أرض الواقع منذ منتصف يونيو الماضي، فالمقاومون «السابقون» كشفوا وجها ليس أقل بشاعة من وجه أعتى الأنظمة القمعية في المنطقة، هم يسحلون الناس في الشوارع ويلقونهم من ارتفاعات شاهقة، يواجهون المتظاهرين بالهراوات والمصلين بقنابل الغاز، ولا مانع من استخدام الرصاص الحي لتكتمل صورة الحكومة المتسلطة.
وانتظرت طويلا لأرى ما يثبت كذب وكالات الأنباء التي تبث انتهاكات «حماس» في غزة، قلت إنها بالتأكيد منحازة، لكن الصورة لا تنحاز، وما تم بثه من صور لممارسات الجمعة والسبت الماضيين يثبت أن القوة التنفيذية تلامذة أوفياء لوزارات الداخلية العربية، ومع الصور التي تبعث الإحباط يضيع أملنا في حكومة عادلة تحس أنها جزء من الشعب، فلا تمارس عادة قمعه.
يبدو أن المشكلة ليست في «حماس» ولا في فتح، بل في كرسي السلطة، فكم من شخصيات وأحزاب عربية غيرتها الكراسي لدرجة أن المرء بات يشك في كون الأنظمة الرديئة التي يعاني منها قسم كبير من العالم العربي تمثل أصلح الموجود، فالمعارض الذي يملأ الدنيا عواء عن حقوق الإنسان، إذا تسلم السلطة سيكون أول من يحتقرها.
السياسة تقتضي درجة من درجات الخسة، والمقاومة تستلزم أعلى درجات النبل، والاثنان لا يجتمعان، ربما هذا ما جعل «حماس» تهبط من عليائها الطاهرة إلى مستنقع القمع.. ألم يكن أجدى للحركة ولفلسطين أن يظل المقاومون مقاومين.. فللسياسة أهلها، والمقاوم حين يمسك سيف الجلاد يسقط وتسقط معه الفكرة.
لم تتسبب «حماس» فقط في الإساءة لفلسطينيين يخالفونها الرأي، وإنما أساءت لفكرة أن يصعد فصيل إسلامي إلى السلطة في العالم العربي، ويبدو أن لا شيء عربيا سلم من الفساد حتى الإسلام السياسي.. رغم أن التجربة التركية على مرمى البصر تقدم لنا نموذجا لسياسيين إسلاميين يحققون مآربهم بهدوء ودون تشنج أو تطرف أو جنون.. هل نستورد كل شيء حتى الإسلام؟