وقفة مع الوطن: قرأت منذ أيام مقالة لإحدى الروائيات العربيات الشهيرات، كانت تلتقط في عمودها ظاهرة الغربة التي يعيشها المثقف العربي بعيدا عن وطنه الأم، فتشكو من ثقل وهم الكتابة عبر الأسوار والمسافات، ويتحول المثقف عمليا إلى جسد تسكنه أطياف البلد وشوارعه وناسه ووجوه حفرت في أقصى الروح والذاكرة، لكنه حين يشرع بالكتابة يتراءى له الوطن مجرد من كل التفاصيل، فيسقط في جرح الغياب.

وقفة مع السياسة: تتصفح الجريدة يوميا فيتعسك منظر أطفال فلسطين يقتلون وتدمر بيوتهم ومدارسهم، وحين تقلب الصفحة الأخرى تقع عيونك في عيني طفلة لبنانية تشكو هي الأخرى من قسوة السياسة والحروب.

وحين تحاول أن تتمعن وتتعمق ما بين سطور الأخبار، تسقط في حيرة من أمر الساسة الذين يقلبون وجه الحقيقة، يدافعون عن مبادئهم ومواقفهم، ورغم ذلك تكتشف أنهم منقلبون ضد الوطن، فلا تعرف من هم صناع السلام ومن هم صناع الحروب، والأدهى انك حين تقترب من الحقيقة تجدها أنها هي أيضا حمّالة أوجه.

وقفة مع الموت: رغم تباين عناوين الخبر من صحيفة لأخرى إلا أن الخبر حمل التفاصيل ذاتها، «مات الشاب مصعوقا أثناء الاستحمام»®.

وحين تتصاعد مع الخبر المحزن، تجد صورة بيته الشعبي الذي يقطنه مع أسرته، فتعرف كم كان بائسا هذا الشاب في بيت تضعضعت فيه أحلامه حتى تهاوت، وتهاوت معها كهرباء البيت فهجرته الأسرة مؤقتاً، ولم يعلموا أنهم تركوا فلذة كبدهم ليلاقي حتفه وحيداً، كم كنت جميلا يا فيصل لترحل باكرا، وحين نعرف أن القدر اغتال زهرة شبابك نعرف أن للموت أسبابا وما أهون هذا السبب حين يعيش المواطن في بيت اقرب لمسكن الأشباح من كونه سكنا.

وقفة مع صناع الحياة: في تلك القنوات المهمّشة من قائمة قنواتنا الفضائية المفضلة، نفاجأ ببعض العقول التي آلت على نفسها تحمل عبء نشر الوعي بين شباب الأمة لاجتذابها بأسلوب عصري لا يخلو من مقاربة بين الأصيل والحديث، فتعد الجداول للبرامج التي تخاطب العقل والروح، وتلهم الذات البشرية بأهمية استنهاضها من سباتها وغفوتها.

وبدء مرحلة تحررية من ضغوطات الإعلام والأفكار المستوردة، وبالتالي ضمان تفاعل أكثر تجاه المجتمع لتبدأ عجلة الحياة بالدوران في جميع الميادين مع تشكيل فرق تضم جميع شرائح المجتمع للتفاعل مع مفهوم صناعة الحياة في مختلف الميادين والمجالات، فربما الحياة التي يطمح لها كل إنسان حر هي الحياة التي يصنعها بنفسه.

وقفة مع التاريخ: من منا لم يقرأ كتاب «شيفرة دافنشي» للكاتب دان براون ولم تشغله الألغاز التي جاء ذكرها في أحداث الرواية، من منا لم تشغله الحقيقة والسؤال الذي يظل يلح كلما اقتربنا من خاتمة القصة المشوقة: أين الحقيقة؟

وكيف أثارت هذه الرواية حفيظة الكنيسة وخلطت الأوراق، وتركت فراغا في بعض العقول لا تسده إلا الحقيقة الغائبة، التي يسردها المؤلف بين السطور فتتحول الرواية من مجرد قصة إلى نصل يغرس في صدور من تقلقه الأسئلة الكبيرة، فكم هي الحقيقة صعبة وطعمها مر حين تأتي على لسان أبنائها الضالعين في مسؤولية طمسها، فمتى نشهد إشهار الحقيقة كاملة دون إدانة من المجلس البابوي والفاتيكان.

وقفة مع الأثير: كثيرون من يشغلهم التواصل مع الأثير لدرجة الهوس، بعضهم يكتفي بالمتابعة والبعض يهتم أيضا بالمشاركة، وكثير من هؤلاء يبحث عن آذان صاغية تستمع له دون أن تتعرف عليه فيخلق عالما خاصا به يضم العديد من الأصدقاء عبر القارات، فحين كانت للإذاعة وقعها الخاص كنا نحتضن المذياع نهاراً وليلاً .

ولا نفرق بين دقات ساعة بيج بن في إذاعة لندن، أو دقات برج الصحوة في إذاعة سلطنة عمان، المهم أن نبقى متواصلين مع الموجة ومع وحدة التردد هرتز التي افتقدناها لدرجة الألم، ومع استعادة هذا الماضي الجميل الذي تحول إلى ذكرى، نلمس الفارق بين إذاعاتنا اليوم والإذاعات التي ودعناها ودفنا بعضها، وكم جميل أن يعود للمذياع مكانته دون الشعور بالمحلية المفرطة التي هزمت الأثير وجمهوره.

وقفة مع الذات: في كتابه «النقد الحضاري للمجتمع المدني» كتب هشام شرابي في مقدمته:«إذا أردنا لمجتمعنا العربي أن يتجاوز أزمته المتفاقمة، وان يسترجع قواه ويدخل ثانية في مجرى التاريخ، فلا بد له من القيام بعملية نقد حضاري يمكنه من خلق وعي ذاتي مستقل واستعادة العقلانية الهادفة»®.

حتى يصل إلى الفقرة الأخيرة «إن النقد الحضاري يشكل الشرط الأساسي لعملية التغيير الاجتماعي وهو الخطوة الأولى لأية حركة اجتماعية جدية ترمي إلى استئصال الأبوية من مجتمعنا والى السير به نحو مستقبل آخر يقرره أبناؤه لا المتسلطون عليه أو القلة المنتفعة به».

وقفة مع المستقبل: لا تزال الأمة العربية تستورد التكنولوجيا والطعام والسلاح والأفكار والمبادئ حتى اللغة تستوردها، لا تزال تحاول أن تدخل ماراثون التحدي للاكتفاء ذاتيا لكنها لم تنجح ولن تنجح، تكافح من اجل مستقبل تتقاسم فيه حاجاتها مع شقيقاتها، لكن هيهات دامت الجهود ليست على قلب رجل واحد،.

ويزيد من عتمة القادم حين يفغر السؤال فاه: متى يكون لهذه الأمة مستقبل بعد ركوعها وسجودها وانسحابها وترددها، وانصياعها وخضوعها شبه التام للاستعمار الجديد الذي اخترق كبدها وخاصرتها ويزحف صوب القلب فمتى تستفيق على تلك الأسئلة المشروعة التي باتت لا تحتمل أي عملية ترقيع لتلك الأخاديد في وجه السياسة العروبية البائسة.

وقفة مع رمضان: على مشارف الانتظار نوشك أن نحتضن هلالك، ونستحث قدومك بلهفة كلما ودعناك، نعم طال شوقنا لك، وكلما وعدناك باستقبال أبهى، ننسى أدب الضيافة فننشغل عنك بالشاشة الملونة التي تبقينا بعيدين غير مبالين بكرمك وروحانيتك التي تطهر النفوس وتنقي السرائر، ما أكرمك من شهر تتفضل علينا بالخيرات ونحن في انشغال بالموائد العامرة، وعلى مدار الساعة نشد بمسامير المسلسلات التي لا تترك حيزاً كي نلتقط الأنفاس ونحاسب النفس « وان النفس لأمارة بالسوء»، من يقبل التحدي بأن يكون رمضان القادم مختلفا.. وليكن شعارنا «إيمانا واحتسابا».

كاتبة إماراتية