أصبح عبد الله غول رئيسا لتركيا، وهو بالتالي أول رئيس من ذوى الأصول الإسلامية السياسية يتولى هذا المنصب. وهذا الأمر يفتح الباب أمام نقاش واسع حول ما هي الفرص المتاحة أمام غول وما هي التحديات الرئيسية التي سوف تواجهه.

ومن المفيد الإشارة في البداية إلى أن سنوات رئاسة غول لتركيا سوف تتسم بفتور العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، يؤكد ذلك رفض قادة الجيش مصافحة الرئيس الجديد بعد يوم واحد من انتخابه من قبل البرلمان في احتفال عسكري حضره بعد يوم من انتخابه ، فإذا ما عطفنا ذلك على أن علاقة الحكومة بالجيش لن تكون هي الأخرى على ما يرام، نستطيع أن نقول أن علاقة العسكر بالسلطة التنفيذية لن تكون على ما يرام وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام توترات سياسية غير حميدة .

وإذا كان غول قد استهل رئاسته لتركيا بالتأكيد على قيم العلمانية وانه سوف يحافظ عليها، فإننا يمكن لنا القول إن هذا الموقف منه ليس ملزما، وحتى ولو كان يعبر عن مواقف حقيقية له، فهو لن يستطيع الوقوف أمام رغبات كوادر حزبه وهذا الأمر قد يفتح المجال أمام توترات داخل الحزب في حالة عدم استجابته لرغبات الكوادر أو المزيد من التوترات مع الجيش في حالة الرضوخ لرغبات كوادر الحزب.

وإذا كانت هناك رؤى ترى أن غول سوف يعمل على أسلمة تركيا بما يعنى انتهاء التجربة العلمانية التركية تماما، فان المتوقع ألا يعمل على استفزاز العسكر بصورة قد تفتح المجال أمام عدم استقرار سياسي في تركيا، لكنه في نفس الوقت لن يتراجع عن تنفيذ بعض البنود الأساسية في جدول أعمال الإسلاميين في تركيا لكنه سوف يقوم بذلك بصورة لا تستفز العسكر. وعلى رأس القضايا المهمة في جدول أعمال الإسلاميين ما يتعلق بالسماح بلبس الحجاب في المؤسسات الحكومية، والعديد من القضايا التي تتعلق بالرموز الإسلامية والتي تمنعها القوانين العلمانية في تركيا.

وكان البرلمان التركي قد وافق على تعديلات قانونية بهذا الخصوص ولكن الرئيس التركي السابق احمد نجدت سيزر ردها مرة أخرى ولم يصدق عليها ولم يسع حزب العدالة والتنمية إلى الصدام مع النخبة العلمانية وبدا حينها أن الهدف من إقرار القوانين هو فقط تهدئة كوادر الحزب المتشددين.

ولا يمكن في ظل سيطرة العدالة والتنمية على كل من البرلمان ومنصب رئيس الجمهورية أن يتراجع عن تنفيذ احد أهم بنود جدول أعمال الإسلاميين في تركيا، ولكن المتوقع أن يسعى غول ومعه البرلمان التركي إلى إجراء هذه التعديلات بهدوء وبصورة لا تستفز العسكر والعلمانيين، وان يستند في تعديلاته أو تصديقه على التعديلات المتوقعة من البرلمان إلى معايير حقوق الإنسان الأوروبية ويبدو وكأن الأمر يتعلق بتأمين انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي أكثر منه محاولة لتطبيق برامج الإسلاميين الأتراك.

والتحدي الأساسي الذي يواجه رئيس تركيا الجديد عبد الله غول هو كيفية المواءمة بين متطلبات ومطالب كوادر حزب العدالة والتنمية وفى نفس الوقت عدم استفزاز النخبة العلمانية بجناحيها المدني والعسكري. وفى هذا الصدد لابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية وهي أن إصرار رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية في نفس الوقت على ترشيح عبد الله غولبالذات لمنصب رئيس الجمهورية يأتي من نقطة أساسية هي انه يستطيع أن يطبق هذه المواءمة المطلوبة.

فجل معروف داخل العدالة والتنمية بأنه معتدل وغير ديماجوجى وتجربته في المناصب المتعددة التي تولاها تؤكد ذلك فقد كان رئيسا للوزراء في الفترة التي كان الحظر السياسي مفروضا على رجب طيب اردوغان ثم أصبح وزيرا للخارجية في كافة حكومات اردوغان وفى كافة هذه المناصب لم يستفز العسكر ولم يقدم صورة سيئة عن تركيا ولم يسع لان يصدر عن نفسه صورة الإسلامي الملتزم على الرغم من انه يتمتع بهذه الخاصية.

وإذا كان معظم المحللين للشأن التركي يؤكدون أن تركيا مع سيطرة العدالة والتنمية للمرة الثانية على البرلمان ومع رئاسة عبد الله غول لها في نفس الوقت قد بدأت في تدشين جمهورية جديدة بها، فان مهمة غول هي أن يجعل تركيا تتخطى هذا الأمر من دون أزمات كبيرة.

وهذا احد التحديات الكبيرة التي تواجهه خاصة وان النخبة العلمانية لن تتقبل هذا الأمر بسهولة وسوف تسعى لإيقاف تحقيقه وقد تسعى إلى تقليب النخبة العسكرية على التجربة التركية الجديدة برمتها وهو الأمر الذي قد يفتح الباب أمام عدم الاستقرار السياسي في تركيا.

لقد دخلت تركيا بفوز عبد الله غول بمنصب رئيس الجمهورية مرحلة جديدة لكنها في نفس الوقت لن تتمكن من العبور إليها بسهولة ذلك أن المرحلة الصعبة قد بدأت مع فوز غول وليس على عكس ما كان يرى كثير من المحللين مع مراحل انتخابه.

ويمكن القول إن الشهور الستة القادمة مهمة جدا في تاريخ تركيا الحديث وهى تمثل عنق الزجاجة بالنسبة لها إذا ما استطاعت أن تجتازها فهي قد تكون قد عبرت إلى جمهوريتها الجديدة بسلام وأمان أما إذا لم تتمكن من ذلك تكون قد دخلت في هاوية لا يعلم احد كيف تخرج منها.

والسؤال المهم الذي من المفيد طرحه في الوقت الراهن هو هل سيتمسك العدالة والتنمية بالخطة التي أعلنها في الفترة التي سبقت الانتخابات التشريعية والتي شهدت أزمة انتخاب عبد الله غول لمنصب رئيس الجمهورية، وهى تتضمن الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية مع تخفيض فترة ولايته إلى 5 سنوات بدلا من 7 سنوات، انه بمجرد انتخاب غول سوف يتراجع عن هذه المطالب.

نعتقد أن التراجع يمكن أن يسحب الكثير من مصداقية الحزب أمام المواطن التركي وهذا الأمر سيكون احد الاختبارات الرئيسية للحزب ولعبد الله غول وعليه سنعرف كيف ستسير الأمور في تركيا في الفترة المقبلة.

كاتب مصري