كيف استطاعت دبلوماسية التفاوض والحوار حل أزمة الرهائن بين طالبان والكوريين بعد 6 أسابيع من الترقب؟

هل هذا يعني أننا بدأنا ندخل عهدا جديدا في العلاقات التي تربط ما بين ما يطلق عليهم بـ (المنظمات الإرهابية) والدول التي تحاول القضاء عليهم بجرة قلم؟

قبل أيام أطلقت طالبان آخر الرهائن الكوريين الـ 23 بعد ستة أسابيع من الأخذ والعطاء. وقد نجحت هذه المفاوضات لعدة أسباب ما كانت لتنجح لولا توقيتها، فالعالم بعد أحداث 11/9 تحول في أقل من شهر إلى غابة تتعارك فيها شتى الفئات، وتتقاطع فيها كل المصالح. وكان على الدول الضعيفة أو المحتارة وحتى القوية منها أن تختار بين أحد الفريقين: فريق الشر أو فريق الخير الذي لا يوجد بينهما ثالث.

ولم يكن أصعب من ذلك الاختيار الذي وضعها أمام أمرين كلاهما مر. فالذين وقفوا مع فريق الشر، أدرجوا في قائمة الدول التي تساند الإرهاب وتمت محاربتهم بشتى الوسائل الممكنة.

أما الدول التي وقفت مع فريق الخير فقد اختاروا أن ينصبوا أنفسهم هدفا لضربات الإرهاب ولو بعد حين. وبالفعل لم يكن هناك فريق ثالث يمثل دور الحكم بين الطرفين. وبالتالي دفع كلا الطرفين ثمن اختياره. وحصدت الآلة العسكرية من الجهتين من الأرواح ما يكفي لبناء جمهورية كاملة.

وظن العالم بأن نهايته باتت وشيكة، وأن الصراع بين النور والظلام لن يرى النور... وانتشر الفزع بين سكان الكرة الأرضية أمام مشاهد قاذفات القنابل الأميركية العملاقة ذات الوزن الثقيل من نوع بي 52 التي كانت تصل قيمة كل واحدة منها إلى أكثر من 52 مليون دولار أميركي ليس لها مهمة أخرى غير القتل، وهي تلقي بقنابلها الذكية والتي تزن كل قنبلة منها مئات الأطنان على كل ما يتحرك على الأرض دون تفرقة بين مجموعة مسلحة أم قرية صغيرة.

وما كادت تفر طالبان من ساحة المعركة وتختبئ مع حليفتها القاعدة في كهوف الجبال الوعرة، وتكاد تهدأ الأنفس، حتى دخلت الولايات المتحدة الأميركية مباشرة في حرب جديدة لا تقل شراسة عن سابقتها وعلى بعد لا يتعدى 2500 كم وهي المسافة التي تفصل بين العاصمتين كابول وبغداد.

وهكذا ثبت للعالم بأن نتائج ضرب البرجين عام 2001 والذي راح ضحيتهما 3000 قتيل بما فيهم المهاجمون التسعة عشر، لن تنتهي على خير. ولا أحد يعرف إلى الآن لماذا تم الانتقام للثلاثة آلاف أميركي ضحية أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالهجوم على دولة كالعراق؟

إلا أن فورة الحرب التي دخلتها الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان وأمام مشاهد الدمار الكامل التي حولت كابول إلى كابوس، وهروب طالبان وأعضاء تنظيم القاعدة إلى البراري والجبال، وإحساس الإدارة الأميركية وبالتالي الشعب الأميركي إعلاميا بنشوة الانتصار على من ضرب قلب نيويورك النابض في عز النهار، والأخذ بالثأر، دفعهم كل ذلك إلى مغامرة جديدة على أساس أنها حرب مشابهة للأولى.

وأن الانتصار سيكون على شاكلة الانتصار على طالبان أفغانستان، وأن العالم شرقه وغربه أمام مشاهد الدمار والأسلحة الأميركية المتطورة والمخيفة سوف يخضع للولايات المتحدة الأميركية دون قيد أو شرط، وسوف تصبح أميركا سيدة العالم بلا منازع، وأن ثروات الكرة الأرضية ستصبح بين يديها، وأنها فرصة لن تتكرر ولن تعوض، وأن التوقف عن استمرار الحرب (على الإرهاب) سوف يضيع من بين يديها تلك الفرصة الذهبية. وهكذا وقع صدام حسين والعراق والعراقيين ضحية ذلك التوقيت وذلك المخطط وليد اللحظة.

باختصار، تعلم العالم درسا جديدا مهما، يتلخص في أن القوة والغطرسة هما سلاحان أساسيان لحماية النفس، وأن خير وسيلة للدفاع عن شعوبها هي الهجوم المباغت، ومفاجأة العدو قبل أن يتحرك من مكمنه. لذا ظن العديد من المحللين بأن الحرب الأميركية على أفغانستان والعراق كان مخططا لها مسبقا.

وأن من بين أسرار كيفية تنفيذ هذه المخططات ضرب برجي التجارة في نيويورك، وأن المخابرات الأميركية والإسرائيلية كانتا على علم مسبق بعملية القاعدة، وأن من خطط وسهل لضرب البرجين هما المخابرات الأميركية والإسرائيلية، وليس تنظيم القاعدة لوحده... إلخ من التحليلات التي لم تصل بعد إلى معرفة الحقيقة المؤكدة.

و أيا كان الأمر، فإن العبرة بالنتيجة، فقد اقتنع 99% من سكان العالم بأن أميركا أصبحت دولة لا تقهر وأنها سيدة العالم بلا منازع، خاصة بغد غياب روسيا عن الساحة، وأن قوتها منتصرة في كل زمان ومكان، وأن سياسة الحوار مع الإرهابيين والأعداء غير مجدية و لا توصل إلى نتيجة حاسمة.

غير أن من آمن بذلك سرعان ما تبددت أوهامه وشعر بالخيبة والإحباط وهو يرى تخبط تلك القوة التي لا تقهر أمام مجموعة بسيطة من المقاومين بدأوا بشكل غير منظم ثم أصبحوا يذيقون المحتل الويل حتى فاق عدد القتلى من جانب الجنود الأميركيين عدد من سقط ضحية ضرب برجي التجارة! فكيف نفسر أن يقتل أكثر من 3700 أميركي ثأرا لأقل من 3000 أميركي؟!

ولكن يبدو أن دخول الحرب ليس كالخروج منها، وإلى اليوم لا تعرف الولايات المتحدة كيف تخرج من هذا المستنقع الذي شبهه الرئيس بوش قبل أيام بأنه صورة مكررة لمستنقع فيتنام، وهو نفسه الذي أعلن في الأول من مايو 2003 وبنقل مباشر من على ظهر البارجة الحربية إبراهام لنكولن وبمسرحية دراماتيكية وبنبرة مليئة بفخر واعتزاز المنتصر بأن (المهمة قد أنجزت - Mission Accomplished ) ليستقبله العالم بتصفيق حار من أمام شاشات التلفزيون.

غير أن القوة لم تعد تجدي أمام ضربات الشعوب التي تريد التحرر من الاحتلال أيا كان شكلها، واضطرت الولايات المتحدة بدلا من أن تجلس للتفاوض مع المقاومة أو الخروج قبل فوات الأوان، إلى اللجوء إلى حكومة أولمرت في إسرائيل لتخفيف الضغط عليها، فقامت هذه الأخيرة .

والتي كانت تنتظر بفارغ الصبر مثل هذه الفرصة الذهبية بمحاولة إشغال الرأي العالمي من خلال إشعال حرب لا إنسانية وغير متساوية على جنوب لبنان بحجة واهية تتلخص في تحرير جنديين إسرائيليين أسيرين اختطفتهما قوات حزب الله، ولكن بهدف آخر غير معلن يتلخص في تصفية حزب الله وتشتيته في بقاع الأرض كما حصل للفلسطينيين قبل 60 عاما...

ووقع الإسرائيليون بقوتهم في جنوب لبنان في نفس الفخ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في العراق. فلغرض تحرير جنديين أسيرين كان من الممكن من خلال التفاوض تحريرهما وحفظ ماء وجهها أمام العالم، خسرت إسرائيل 120 قتيلا وأكثر من 500 جريح من بين جنودها وأكثر من 44 قتيلا وأكثر من 4000 جريح من بين مدنييها الذين فروا أمام صواريخ حزب الله إلى المناطق التي يسكنها العرب.... ولم تستطع كل تلك القنابل والدبابات والصواريخ أن تفك أسر جنديين أسيرين!

فهل يا ترى كان هذان الأسيران في حاجة إلى كل هذا العدد الهائل من القتلى من جانب إسرائيل؟ ألم يكن الحوار والتنازل والعدالة هو الأسلوب الحضاري لحل مثل هذه المسائل؟ ولماذا صمتنا نحن العرب والمسلمين عشرات السنين الطويلة على آلاف الأسرى العرب والمسلمين في السجون الإسرائيلية؟ وكيف جرؤ العالم على وصفنا بالإرهابيين والقتلة والمتخلفين والحشرات ونحن نتعامل معهم بكل إنسانية وذوق وكرم؟

أيا كانت أسباب صمتنا: الخوف أم الضعف أم الاستسلام أم كره الحروب، إلا أننا على أقل تقدير لم نفعل ما فعلته الولايات المتحدة في أفغانستان ولا إسرائيل في فلسطين ولبنان...

نحن دائما نكرر بأن القوة لم تفلح في أي زمان ومكان في رد الاعتبار أو رد الحقوق إلى أصحابها... وكما خسرت الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر مما جنتا في حروبهما، فإن أي حرب أيا كان الاستعداد لها لا تضمن إعادة واستعادة الحقوق المهضومة إلا بخسائر أكثر فداحة.

هذه مسألة جعلت العالم اليوم يتراجع عن الإيمان بالقوة العسكرية، وبدأت الولايات المتحدة ليس فقط تتخبط في الداخل وإنما تخسر حلفاءها السابقين الذين تركوها وحيدة في ساحات المعارك...

واليوم من أجل أرواح مجموعة لا تتعدى 23 رهينة معظمهم من النساء لم تتوان كوريا الجنوبية عن تقديم أقصى وأقسى التنازلات الممكنة للإفراج عنهم حتى ولو أدى الأمر إلى التخلي عن حليفتها الأولى الولايات المتحدة الأميركية في حربها على الإرهاب... فقد تعهدت سيؤول بسحب قواتها العاملة في أفغانستان ضمن تلك الصفقة التي لا شك أنها احتوت أيضا على مبالغ طائلة...

ولكن المستغرب في الأمر أن الولايات المتحدة لم تتدخل ولم تعترض ولم تتفوه بكلمة واحدة على تلك المفاوضات وصيغة المفاوضات ونهاية المفاوضات حتى ولو أدى الأمر إلى انسحاب قوات كوريا الجنوبية من ضمن قوات التحالف هناك! فهل تفكر في تطبيق نفس الأسلوب في تعاملها مع الإرهابيين؟

لقد وجدت القوة العظمى التي لا تقهر نفسها مقهورة حتى أخمص قدميها ووحيدة من دون شريك في ساحة القتال، وتوسلت حتى إلى الجلوس على طاولة واحدة مشتركة مع محور الشيطان والشر والظلام وعلى رأسه إيران وسوريا لتترجاهما أن يخففا من ضغوط المقاومة الداخلية عليها في العراق!! فأي قوة لا تقهر هذه؟

إن الولايات المتحدة تخشى أن لا تقبل إيران بالحوار، وأن لا ترضى سوريا بالتعاون، وأن يرفض تنظيم القاعدة حتى التفكير في أي مفاوضات، كيف يقبلون وهم جميعا يشاهدون يوما بعد يوم بأم أعينهم أقدام الولايات المتحدة تغوص أكثر فأكثر في مستنقعات العراق، والفوضى التي تعم الشارع الأميركي أمام هذا التهور المسلح في بلد لم يبد لهم في يوم من الأيام أي عداء!

فلماذا نقطع كل هذه المسافات الطويلة ونقدم كل هؤلاء الضحايا الأبرياء لكي نصل أخيرا إلى طاولة الحوار البناء؟

ألم يكن الحوار منذ البدء هو أقصر الطرق لانتصار الأطراف المتحاربة؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com