عندما كنت صغيراً كنت أذهب مع أبي وأخي لصلاة الجمعة لأحضر خطبتين، الأولى هي خطبة الجمعة والثانية هي الحوار الذي كان يدور بين جموع المصلين الذين كانوا يتحلقون خارج المسجد للحديث عن إحدى أمور المجتمع التي غالباً ما يكون قد أثارها خطيب الجمعة. وكان أبي يأخذنا في كل مرة إلى مسجد جديد حيث كان يبحث دائماً عن خطيب مؤثر يحمل في طيات كلامه معاني مفيدة تفيد المصلين وتجعلهم «يفكرون» ويذكرهم في نفس الوقت بأحكام دينهم ودنياهم.
وأذكر أننا استقرينا مرة على أحد المساجد لأكثر من عام، ومازلت أذكر كيف كان الخطيب يتحدث إلى الحضور وكأنه يحاورهم، وكان الناس يتهافتون على تسجيل خطبه التي كانت تناقش قضايا المجتمع وتعرج على بعض القضايا التي كنا قد قرأنا عنها في الصحف، وأذكر أن معظم الذين كانوا يرتادون ذلك المسجد كانوا يتوجهون بعد الصلاة إلى صناديق التبرعات الموجودة خارج المسجد ليتبرعوا لأطفال فلسطين أو إلى الأسر المحتاجة داخل الدولة.
وفي الأسبوع الماضي أصر ابني سعيد الذي يبلغ من العمر أربع سنوات على حضور صلاة الجمعة معي، وعلى الرغم من أنني لا أؤمن باصطحاب الأولاد الذين تقل أعمارهم على سبع سنوات إلى المسجد إلا أنني لم أستطع أن أقاوم طلبه.
استهل الإمام حديثه بالثناء على الله عز وجل والصلاة على النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - ومن ثم تحولت الخطبة إلى أمسية شعرية عرج فيها الخطيب على دواوين الشعر العربي الشهيرة، والحمد لله أنه لم يتطرق إلى شعر الغزل الذي كدت أجزم أنه كاد أن يأتي به.
خلال الخطبة كان سعيد يقفز من مكانه فزعاً كلما اشتعل الخطيب حماساً، وعلى الرغم من أن مكبرات الصوت التي كانت منتشرة في جميع أجزاء المسجد كانت تدوي بصوته الجهوري دون الحاجة إلى الحديث بصوت مرتفع، إلا أنه أبى إلا أن يخرق طبلات آذان المصلين حتى يشعرهم بالفرق بين يوم الجمعة وباقي أيام الأسبوع.
حاولت جاهداً طوال الخطبة أن أستشف شيئاً واحداً مفيداً في كلام الخطيب الذي أخذ يقفز من موضوع إلى آخر دون وجود رابط مشترك، فتارة يتحدث عن جعفر الطيار ـ رضي الله عنه - وتارة يتحدث عن أحكام الطلاق وهكذا دواليك، وعندما وصل إلى الدعاء الأخير نظرت حولي وإذا ببعض الحضور قد انتكست رقبته على صدره وبعضهم بدأ شخيره يعلو على صوت الخطيب، وأنا المسكين بين هجمات الخطيب وشخير الحضور وبين أفكاري التي كنت أرتبها لأنقض بها على الخطيب بعد انقضاء الصلاة.
عندما خرجت من المسجد تذكرت ـ دون سبب - المساجد التي كنت أؤمها مع أبي عندما كنت صغيراً، وتذكرت أن أحد الخطباء قال لنا يوماً: «كيف لجيل البسكويت والبيبسي أن يحرر القدس» في هجوم له على جيلنا الذي لم يكن قد بلغ الحلم بعد. لم أخف استيائي منه حيث قلت لأبي إنني لن أعود لذلك المسجد مرة أخرى، ففي تلك الأيام كنت أعيش طفرة «فكرية» في طفولتي حيث كان لي قسم صغير في الغرفة التي كنت اقتسمها مع أخي الكبير بدر.
وكنت كلما تلفت لعبة في البيت فتحتها وأخرجت محركها وصنعت به شيئاً جديداً أو «اختراعاً» جديداً أتفاخر به في البيت، ولذلك لم أتحمل ما قاله خطيب المسجد الذي اعتبرت أنه أهانني شخصياً، وكنت أتساءل في نفسي إن كان يجب علينا أن نحمل أسلحة ونذهب إلى فلسطين وأفغانستان لكي يقبلنا ذلك الخطيب وأمثاله! واليوم أتساءل في نفسي إن كان ذلك الخطيب يعرف أن جيل البسكويت الذي كان ينتقده أصبح اليوم أكثر قدرة من جيله على قهر المستحيل؟ وهل يعرف أن جيل البسكويت أصبح أكثر قدرة من جيله على تحرير القدس؟ وهل يعرف أيضاً أن جيل البسكويت أصبح يصنّع البسكويت الذي اكتفى هو ورفاقه بالتلذذ بطعمه؟
لقد فرغت خطب الجمعة في وقتنا الحاضر من هدفها الرئيسي، حيث إن هَم الخطباء الأول هو وضع «حشو» ما في الخطبة حتى ينقضي الوقت، فترى الخطيب ما يفتأ يراقب الساعة طوال الخطبة، وتجده لا يرفع رأسه عن الورقة التي طبعها من الإنترنت ليقرأها على الناس.
إن يوم الجمعة هو يوم مقدس ليس عند المسلمين فقط بل في تاريخ البشرية، فهو اليوم المقدس الذي فرضه الله تعالى على اليهود إلا أنهم خالفوه وقدسوا السبت فخسف بهم، ولم يخصصه الله تعالى للمسلمين إلا لحكمة في هذا اليوم تفوق تصورات البشر. ولقد كانت منابر الجمعة مدارس للتربية النفسية أولاً والفكرية ثانياً، وقنوات للتواصل مع المجتمع والتفاعل مع أحداثه، ولم يكن الخطيب فقيهاً فقط بل كان طبيباً وعالماً اجتماعياً وكان علمه بطبائع البشر واختلافهم يفوق كل ذلك.
وكانت خطبة الجمعة مكاناً لمعالجة قضايا المجتمع وإسقاط معالجات الدين على تلك القضايا الشائكة، وكان الخطيب يركز على موضوع معين ويتناوله من جميع أطرافه حتى يفهمه الإنسان البسيط، وكان عارفاً بما يدور حوله ليوجد بدائل للناس ويبين لهم ما شكل عليهم في دينهم ودنياهم وهو شأن الفقهاء والعلماء العظام، فالشافعي عندما انتقل من العراق إلى مصر أفتى في أمور عرضت عليه في العراق بشكل مختلف في مصر، وعندما سئل عن ذلك أشار إلى أن المكان يختلف والزمان يختلف وظروف الناس تختلف أيضاً.
أصبحنا اليوم نخرج من المسجد يوم الجمعة مثلما دخلنا، بل وقد يؤجل أحدنا التفكير في مشاريعه الدنيوية إلى خطبة الجمعة حيث يتفرغ خلال نصف ساعة لوضع خطة عمل في رأسه، وأخاف أن يكبر ابني سعيد وهو يذهب كل أسبوع ليستمع إلى موظفين لا لعلماء، وعلى الرغم من بلاغة هؤلاء الموظفين إلا أنهم في باطنهم يشبهون «شكسبير» الذي يعد أشهر الأدباء في التاريخ، فعلى الرغم من شهرته إلا أن قوته كانت لغوية أو لفظية محضة لا معنوية.
فشكسبير استخدم أكثر من 20 ألف مصطلح فريد في مسرحياته الشهيرة، وعلى الرغم من أنه كان يربط بين جميع أعماله وبين قضايا المجتمع إلا أن جوهر أعمال شكسبير تقل عن كثير من نظيراتها العالمية، ولست في مجال المقارنة بين تلك الأعمال إلا أنني كلما خرجت من صلاة الجمعة أقول في نفسي: «شكسبير آخر».
عندما اتجه صلاح الدين بجيشه لتحرير القدس امتنع أحد الخطباء عن إلقاء خطبة الجمعة ولما سئل عن ذلك قال: أيقاتل المسلمون النصارى وأنا أحدث الناس عن أحكام الطهارة؟ والله لا أفعل، لا نريد من الخطباء أن يستثيروا عواطف الناس ويؤججوا صدورهم تجاه الأوضاع الراهنة في العالم الإسلامي، ولا نريدهم أن يدعوهم لرفع السلاح وشق عصى الطاعة، ولكن نريدهم أن يكونوا الأطباء الذين يبحثون ليل نهار عن علاجات ناجعة لأمراض المجتمع وأوجاعه... ونريدهم أن يتذكروا ويذكرونا أيضاً أن الله غفور رحيم.
باحث إماراتي