اللقاء الثاني خلال هذا الشهر والخامس منذ بداية العام الحالي بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية أيهود أولمرت، لم يكن سوى محطة أخرى من محطات العلاقات العامة التي تندرج في سياق توفير مناخات إيجابية قبل أن تقدم إجابات واضحة ومحددة على الأسئلة التي تتعلق بالاجتماع الدولي الذي دعا لانعقاده جورج بوش.
وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس كانت قد أوصت الطرفين بضرورة عقد لقاءات متصلة، يتوصلان خلالها لاتفاق أو إطار مبادئ يساهم في إنجاح الاجتماع الدولي، غير أن حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر، فلقد استهلك الطرفان الكثير من الوقت حتى الآن، دون أن يتقدما خطوة ملموسة واحدة نحو بلورة اتفاق أو حتى الاقتراب من ذلك.
وبالإضافة إلى أن ثمة الكثير من الوقت بعد أن جرى تحديد موعد الاجتماع الدولي بحيث ينعقد وسط نوفمبر المقبل، فإن الاختلاف الكبير والواسع في رؤيتي الطرفين لطبيعة المؤتمر وقضايا البحث ومرجعيات التسوية وآليات تحقيقها ونتائجها، يشكل عاملاً آخر، بل العامل الأساسي الذي يحد من قدرة الطرفين على الاتفاق.
اللقاء السابق قبل نحو أسبوعين في مدينة أريحا الفلسطينية، جرى خلاله استعراض عدد كبير من القضايا، معظمها إجرائي، أمني، اقتصادي، إنساني، كالمعابر ومبعدي كنيسة المهد، ونحو أربعة وخمسين ألف فلسطيني بدون بطاقات هوية، والحواجز والمطاردين، لكن الرئيس محمود عباس تمكن من شرح الموقف الفلسطيني إزاء ضرورة الذهاب نحو مفاوضات الوضع النهائي التي ينبغي أن تشمل كافة القضايا.
استمع أولمرت بدون أن يبدي انزعاجاً أو ضيقاً مما سمع، فامتنع عن الرد وفق وجهة النظر الإسرائيلية، الأمر الذي أحدث انطباعاً إيجابياً لدى الوفد الفلسطيني، وترك لديهم حالة من الارتياح. في ضوء ذلك والملاحقة الأميركية كان من المتوقع أن يكون اجتماع الثلاثاء الثامن والعشرين من أغسطس الماضي بين الزعيمين في القدس، فرصة للاقتراب أكثر من إمكانية بلورة قضايا الاتفاق والاختلاف، أو حتى تقديم بعض إن لم يكن كل الإجابات عن الأسئلة الصعبة والطويلة المطروحة على بساط البحث.
ومرة أخرى تأتي حسابات البيدر مختلفة عن حسابات الحقل، إذ جاءت الحصيلة متواضعة جداً فلقد استمر البحث مفتوحاً دون قرارات حتى فيما يتصل بقضايا إعادة بناء الثقة وتهيئة الأجواء، وربما كان الأهم، هو ما تداولته الصحافة الإسرائيلية من أخبار حول ورقة عمل (مشروع اتفاق مبادئ) قيل إن أولمرت قدمها، تعالج موضوع الدولتين وبدون أي ذكر لقضية اللاجئين وقضايا أخرى تتصل بعناوين التسوية الدائمة.
على أرض الممارسة يدور حديث نظري كثير عن استعدادات إسرائيلية لمعالجة بعض القضايا، مثل إمكانية تسليم ثلاث مدن فلسطينية (نابلس - جنين - طولكرم) للسلطة، وإعادة ستة وعشرين مبعداً نتيجة أزمة كنيسة المهد، وإزالة بعض الحواجز ... الخ، غير أن شيئاً من هذا لم يحصل.
وعلى الأرجح تحاول إسرائيل استهلاك كل الوقت المتاح، حتى تحشر الطرف الفلسطيني في زاوية ضيقة، عسى أن يساعدها ذلك على ابتزاز ما ترغب وتطمح في ابتزازه من تنازلات، تقربه من الرؤية الإسرائيلية للحل السياسي أو أن تحمله مسؤولية إفشال المؤتمر الدولي وتعطيل عملية التسوية.
في إشارة إلى صعوبة الأوضاع وإمكانية فشل المؤتمر المقبل، أشار الرئيس المصري حسنى مبارك أن مؤتمراً بلا إطار كما هو الواقع، هو مؤتمر غير مقدر له النجاح، وكانت إشارته تذهب إلى تصريح مماثل أدلى به الرئيس محمود عباس الذي قال نحن لا نعرف من المدعوين للمؤتمر، وما هو الإطار أو المرجعيات.
وربما كان هذا التعطيل المتعمد إسرائيلياً سبباً في قرار وزيرة الخارجية الأميركية رايس التوجه إلى المنطقة في منتصف شهر سبتمبر الحالي، والمتوقع أن تسبق اجتماعاً للرباعية الدولية، من باب متابعة التحضيرات لانعقاد المؤتمر الدولي. على أن المناخات العامة في إقليم الشرق الأوسط تطرح بموازاة هذا الجهد المتعثر في التحضير لانعقاد المؤتمر الدولي وتوفير عوامل نجاحه، هذه المناخات تشير إلى أن جهداً متوازي يتخذ طابعاً تصعيدياً.
ففي لبنان تستمر الأزمة السياسية، وتنشب أزمة أخرى حول انتخابات الرئاسة، فيما يستمر الجيش اللبناني في خوض معركته لإنهاء ظاهرة فتح الإسلام، وتتصاعد الاتهامات الأميركية والإسرائيلية والدولية عموماً لحزب الله الذي يتهم بأنه بمساعدة سوريا تمكن من تقوية ترسانته التسليحية، وكل ذلك ينذر بانفجار واسع للأزمة في لبنان التي تتفاعل بقوة مع عوامل إقليمية لا تزال فعالة إلى حد كبير.
وفي اتجاه آخر تتصاعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، وتتصاعد التهديدات والتحذيرات من قبل الإدارة الأميركية ارتباطاً بالدور الإيراني القوي والذي يشكل أحد أهم عوامل إفشال السياسة الأميركية والعملية السياسية في العراق، فضلاً عن تداعيات السياسة الإيرانية وفعلها في مناطق مختلفة من الإقليم الشرق أوسطى.
أما على جبهة العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية والفلسطينية الإسرائيلية، فإن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التعقيد. لا يتعلق الأمر فقط بالموقف من الانقلاب الذي قامت به حركة حماس في غزة، وإنما يطال أيضاً التصعيد الإسرائيلي على مختلف المدن والمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية أيضاً.
ففي اجتماعه الأسبوعي يوم الأحد الماضي، اتخذ مجلس الوزراء الإسرائيلي قراراً بتكثيف العمليات التي تستهدف اغتيال القيادات والنشطاء في قطاع غزة، والبعض طالب بالتصدي لمطلقي الصواريخ حتى لو أدى ذلك إلى دخول الجيش الإسرائيلي إلى وسط غزة. أما وزير البني التحتية فقد هدد بقطع الكهرباء عن قطاع غزة فيما لو استمر سقوط الصواريخ على البلدات الإسرائيلية.
قطاع غزة إذاً يتحضر لعملية عسكرية واسعة، حيث ترى الدبابات والآليات الإسرائيلية المحتشدة على حدود القطاع مع إسرائيل بالعين المجردة، لكن أهداف هذه العملية لا تمس جوهر الموقف الإسرائيلي الذي يرغب في استمرار الانقسام الشامل بين الفلسطينيين باعتباره الانجاز الأهم لإسرائيل كما قال الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز.
عملية سياسية تنتصب أمامها عقبات كثيرة، وانقسام فلسطيني يتعمق يوماً بعد آخر، وحصار مشدد على قطاع غزة، وتحضيرات لعدوان إسرائيلي كبير، ومرة أخرى يترتب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن أخطاء قياداتهم السياسية التي ترفع بعناد أجنداتها الحزبية فوق الأجندة الوطنية فكيف يمكن أن يكون مصيرهم؟
كاتب فلسطيني