بعد الإعلان عن صفقات السلاح الأميركية لدول في منطقة الشرق الأوسط، والتي تقدر بأكثر من ستين مليار دولار تنال إسرائيل نصفها مع تسهيلات وامتيازات خاصة لها ليس فقط في جدول السداد الممتد لعشرات السنين بل أيضا في نوعية السلاح الذي تحصل عليه بالمقارنة بجيرانها العرب، هل بعد هذه الصفقة يحق لتل أبيب وواشنطن أن يعترضا على بيع روسيا أسلحتها لدول المنطقة، وخاصة لسوريا وإيران؟

وهل يحق لفرنسا التي تدور بينها وبين ليبيا مشاورات حول صفقات سلاح كبيرة أن تعترض على بيع روسيا السلاح للجزائر؟ وإذا كانت دول الغرب تنادي بحرية السوق وعدم الاحتكار فلماذا تعترض دائما على كل صفقة سلاح تبيعها روسيا لأية دولة أخرى في أي مكان في العالم؟ لماذا يريدون من روسيا أن تكون دولة منفتحة على العالم الحر وتتعامل بمبادئ السوق الحرة وقواعدها بينما هم يخالفون ويخرقون هذه القواعد والمبادئ علنا؟ لماذا يخشون من روسيا في سوق السلاح بالتحديد ويسعون لمطاردتها فيها ؟

البعض يعتقد أن العامل السياسي يلعب دورا كبيرا في هذا الأمر، وهذا غير صحيح من وجهة النظر الروسية حيث لا ترفض موسكو بيع سلاحها لأية دولة في العالم، ولا تفرق في نوعية السلاح المباع بين دولة وأخرى، كما أنها ملتزمة وبشدة وعلى عكس واشنطن تماما بألا يؤثر بيعها للسلاح لأية دولة على موازين القوى الإقليمية في أي مكان في العالم، وتعلم موسكو جيدا أن منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق حساسية في هذا المجال، ولهذا فهي تخطو في أسواقها بحذر شديد وتستبعد العوامل السياسية تماما في تعاملاتها في سوق السلاح في المنطقة، والدليل على ذلك أنها ترفض تماما بيع أسلحة هجومية حديثة لسوريا وإيران، علما بأن أكثر من نصف مبيعات السلاح الأميركي في المنطقة من الطائرات الهجومية المقاتلة.

السلاح الروسي يباع بدون شروط ولا عقبات في التسليم ويتم حسب طلب المشتري وبمواصفاته الخاصة التي يطلبها في السلاح، وتلتزم شركة «روس أوبورون اكسبورت » الروسية لبيع السلاح للخارج بشروط ومواصفات المشتري، ومثال على ذلك منظومة الصواريخ الدفاعية المضادة للطائرات والصواريخ من طراز «بانتسير»، والتي تعاقدت روسيا على بيعها لسوريا ودول خليجية، هذه المنظومة تباع بمواصفات معينة لكل دولة حسب طلبها هي،

وهذا على عكس مبيعات السلاح الأميركية التي تتم وفق الشروط والمواصفات التي تحددها واشنطن نفسها وتفرضها على المشترى فرضا، كما أن الشركات الروسية دائما تتضمن عقودها مع الدول الأخرى ببنود التزام الجانب الروسي بالصيانة الدورية وتوريد قطع الغيار اللازمة، وهو الأمر الذي تفرق فيه الشركات الأميركية بين دولة وأخرى حسب توجهاتها السياسية ومصالح واشنطن الخاصة.

هذا إلى جانب العامل المميز لإنتاج السلاح الروسي عن غيره من إنتاج الدول الأخرى، وهو عامل السعر، حيث تنخفض أسعار السلاح الروسي عن أسلحة معظم دول العالم بشكل ملحوظ مما يعطي روسيا امتيازا كبيرا في أسواق السلاح العالمية، ولا يعود انخفاض سعر السلاح الروسي لقلة في الجودة أو الإمكانيات، على العكس تماما فالسلاح الروسي الحديث مشهود له بالكفاءة العالية حتى من الغربيين أنفسهم، وهناك الكثير من دول الغرب المنتجة للسلاح تتعاقد لشراء أسلحة روسية،

ولكن انخفاض السعر يرجع إلى انخفاض تكلفة الإنتاج في روسيا عنها في الغرب بشكل كبير، كما أن صناعة السلاح الروسية تخضع في الأساس لسيطرة الدولة وإشرافها التام ولا يتحكم القطاع الخاص فيها إلا في قدر ضئيل، الأمر الذي يعطي فرصة كبيرة ومرونة أكبر في تحديد الأسعار المناسبة التي تحقق رواجا وسمعة طيبة للسلاح الروسي في السوق العالمية.

و في واشنطن نلاحظ أن كثيرا من صفقات السلاح التي يقررها البنتاغون أو الإدارة الأميركية لبعض الدول تتعرض لاعتراضات حادة داخل الكونجرس من مراكز الضغط السياسية، ومثال على ذلك الاعتراض الدائر الآن في الكونجرس الأميركي على بيع أنواع معينة من السلاح للمملكة السعودية، وعللوا ذلك بأن السعودية لم تعد حليفا موثوقا فيه بالنسبة للولايات المتحدة بسبب مواقفها السياسية في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية،

وليست السعودية فقط بل معظم دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أيضا، حيث تدور الآن في فرنسا حملة اعتراضات على بيع السلاح لليبيا، وقد علق وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس على هذه الاعتراضات قائلا «إن سوق السلاح العالمية أصبحت مفتوحة بشكل كبير ولم تعد حكرا على أحد، وإذا اعترضنا على بيع السلاح للسعودية أو غيرها من الدول العربية فسيشترونه من أماكن أخرى وخاصة من روسيا بالتحديد التي ينمو تواجدها في سوق السلاح بشكل ملحوظ».

السلاح الروسي في السوق العالمية وخاصة في الشرق الأوسط يختلف جذريا في كل شيء عن سلفه السلاح السوفييتي السابق، حيث لا وجود لأية عوامل سياسية أو أيديولوجية في صفقات السلاح الروسية للآخرين، ولا مانع لدى روسيا إطلاقا في بيع السلاح لإسرائيل إذا طلبت، وهناك بالفعل تعاون عسكري تقني بين موسكو وتل أبيب، وهناك أيضا اتفاقات مبدئية على بيع أنواع من السلاح الروسي لإسرائيل، فهل توافق واشنطن على بيع أسلحتها لسوريا أو إيران؟، بالطبع لا، ورغم هذا يتهمون موسكو بأنها تعيد أجواء الحرب الباردة وتبتز الدول الأخرى سياسيا.

الشرق الأوسط من أفضل أسواق السلاح في العالم ولهذا فالتنافس عليه شديد، ولكن للأسف فإن العوامل السياسية تلعب دورا كبيرا في تسويق السلاح وبيعه في هذه المنطقة لدرجة أن بعض الدول فيها تضطر لشراء كميات من الأسلحة ليست في حاجة إليها، فقط بسبب الضغوط السياسية، ولو أتيحت الفرصة للمنافسة الشريفة بمعايير الطلب والعرض في السوق الحرة فسوف يكون التفوق في سوق الشرق الأوسط للسلاح الروسي دون غيره، وهذا ما نأمل أن يكون في المستقبل القريب.

جامعة سيبيريا