وفقاً لقرارها رقم 181 في 29/11/1947 بتقسيم فلسطين، ألزمت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدولتين المزمعتين العربية واليهودية بوضع «دستور حديث يضمن حقوق الأفراد والأقليات في كل منهما ويكفل حماية الأماكن المقدسة..».

في اليوم التالي مباشرة لصدور هذا القرار عمدت الوكالة اليهودية، المخاطبة به عن الجانب اليهودي، إلى تشكيل لجنة من فقهاء القانون برئاسة ليو كوهن لصياغة مشروع دستور ليعرض على الجمعية التأسيسية (الكنيست لاحقاً) حين انعقادها. وقد نوقش مشروع كوهن هذا بالفعل من قبل مجلس الدولة المؤقت، وأدخلت عليه تعديلات ونشر قبل انتخاب تلك الجمعية لأول مرة في فبراير 1949 .

أيضا، عطفاً على التظاهر بالاهتمام الصهيوني بهذه القضية أمام المجتمع الدولي، نصت وثيقة إعلان قيام إسرائيل في 14/5/1948 على أن «الجمعية التأسسية المنتخبة سوف تقر دستور الدولة في موعد لا يتجاوز الأول من أكتوبر 1948..» . ونعرف الآن أنه بعد ستين سنة على مطلب قرار التقسيم والتحركات والوعود اللاحقة له، فإن إسرائيل مازالت دولة بلا دستور وذلك رغم تواصل الجدل بهذا الخصوص.

سيقول البعض وماذا في ذلك؟. أليست هذه القضية مسألة داخلية إسرائيلية بحتة تتعلق بتنظيم شؤون الدولة ونظمها؟. ما الذي يعنيه للعرب بعامة وللفلسطينيين بخاصة وجود دستور لإسرائيل من عدمه؟. لأصحاب هذه التساؤلات ومثلها نقول بأن للقضية الدستورية الإسرائيلية أبعاداً وتداعيات تتعدي مناظرات القطاعات اليهودية والصهيونية المهيمنة هناك.. وذلك على نحو لا نبالغ كثيراً إذا ما دعونا في إطاره إلى إثارة هذا الملف والتغلغل على خطوطه فلسطينياً وعربياً ودولياً. بل ونحسب أن وعي إسرائيل بهذه الأبعاد هو أحد أهم أسباب ارجاء حسمها لهذه القضية عاماً بعد الآخر إلى يومنا هذا!.

نطرح هذا الاجتهاد مشفوعاً بالملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى، أن القرار الدولي المنشئ لإسرائيل يلزمها بإصدار إطار دستوري حاكم لها. وكما أشرنا فإن هذا المطلب جاء مقروناً بأن يضمن الدستور المزمع حقوق الأفراد والأقليات وصيانة الأماكن المقدسة وحرية الوصول إليها والعبادة فيها. ولم تأت هذه التوجيهات بصريح النص عن مراعاة فقط لبعض المبادئ الديمقراطية العامة بين يدي الدولتين المقصودتين به، العربية واليهودية، وإنما لعلم الأمم المتحدة بوجود أقليتيين في كل من الدولتين جراء التقسيم.

الملاحظة الثانية، أن استطراد قرار التقسيم للمسألة الدستورية جاء كإجراء وقائي أريد به حماية العرب في الدولة اليهودية بشكل خاص. وذلك بالنظر إلى أن شقاً من الاعتراضات على التقسيم انصبت على أنه سيؤدي إلى وقوع قطاع واسع منهم تحت سيطرة القسم المخصص لهذه الدولة.. قطاع كان من الحجم بحيث لا يمكن وصفه بالأقلية قياساً بعدد اليهود فيها إلا بصعوبة بالغة (ما لا يقل عن 400 ألف عربي مقابل 498 ألف يهودي)!..لقد أراد مؤيدو التقسيم تهدئة مخاوف المعترضين بناء على هذه الحقيقة عبر طلب ضمانات دستورية محددة للعرب. ومن ثم لا يمكن إحالة وضع الدستور إلى إرادة أولي الأمر في الدولة اليهودية بشكل منفرد.

الملاحظة الثالثة، ان الجانب اليهودي فهم بلا مواربة البعد الوجوبي الدولي في قضية إصدار الدستور. ندرك ذلك من هرولته سريعاً إلى تشكيل لجنة كوهن، وندركه أكثر من إدراج هذه القضية في إعلان الدولة وانشغال أول كنيست إسرائيلي بها وتخصيصه جلساته الأولى لبحثها وتعيين موعد محدد لإنجازها. وعليه فإن غياب هذا الإصدار إلى وقتنا الراهن يضاف أو تجب إضافته إلى الالتزامات التي لم يف بها هذا الجانب من قرار التقسيم.

الملاحظة الرابعة، ان عدم الانصياع الإسرائيلي لمطلب الدستور ينطوي على انتهاك ظاهر وباطن لنص قرار التقسيم بشأن احترام «حقوق الأفراد والأقليات وصيانة الأماكن المقدسة..». ولأن هذا النص يعني مباشرة حقوق العرب داخل إسرائيل (إذ من المقصودين بمفهوم الأقليات هنا غيرهم؟!)، فإن الأمم المتحدة أو «المجتمع الدولي» بصدد انتهاك إسرائيلي لحقوق فلسطينيي أو عرب 48. ولا يقدح في هذا التصور ما يقال عن الاستعاضة الاسرائيلية ببعض القوانين الأساسية كبديل من الدستور. فهناك فرق كبير بين ضمان حقوق الأقلية العربية دستورياً وبين ضمانها جدلاً بمثل هذه القوانين التي تخضع لأهواء الأغلبية اليهودية وتقديراتها الذاتية.

الملاحظة الخامسة، ان التناظر الإسرائيلي حول القضية الدستورية انتصر طويلاً لمبدأ التأجيل والمراوغة لأسباب كان من أهمها التباين المرير بشأن حدود حقوق الأقلية العربية. ومما جري طرحه وتداوله بالخصوص، أن وضع دستور لدولة من طبيعة إسرائيل الخاصة جداً، سيحملها على تقرير موقف رفيع وحاكم تجاه الدين، وسيكون هذا الأمر شديد الحساسية..

ذلك أنه إذا أكد الدستور علمانية الدولة فإنها ستفقد واحداً من أهم أسباب ودفوع نشأتها من الأصل، أما ان قطع بأنها يهودية بحتة، فكأنه يجاهر بالعزل العنصري للعرب المسلمين والمسيحيين وهم 20 في المئة من قوامها السكاني!. لحل هذه الإشكالية، يرى البعض الجمع بين ضرورة إصدار المكون الدستوري للدولة وبين إمكانية «الصمت» عن اتخاذ موقف صارم من هويتها الدينية. غير أن حلاً كهذا سيعني استمرار التقلصات في أحشاء إسرائيل، بين يهودها وعربها، وبين متدينيها وعلمانييها من اليهود أنفسهم.

الملاحظة السادسة، انه سيتعين على إسرائيل في حال أقرت دستورا لها أن تتطرق إلى حدود الدولة المشمولة به وباختصاصاته على الصعيد الجغرافي والسكاني. وهذه مسألة تتصل بصميم المشروع الصهيوني الذي ينحو مصمموه إلى المراوغة بشأنها. وفي هذا الإطار لابد أن يخضع للنقاش القانوني المعمق ما إذا كان السكوت الإسرائيلي دستورياً عن هذه المسألة يمثل خرقاً آخر لقرار التقسيم؟.

وتقديرنا أن هذا الخرق أو الانتهاك واقع بالفعل.. ليس فقط باحتلال ما تم احتلاله من الأراضي الفلسطينية والعربية عام 1967، وإنما بالاستيلاء منذ 1948 على نحو 20 في المئة من فلسطين التاريخية زيادة على ما خصصه القرار للدولة اليهودية. ثم إنه من المنطقي والقانوني أن يطالب الجانبان الفلسطيني بخاصة والعربي بعامة إسرائيل بالإقرار الدستوري لحدودها قبل أن تطالبهم هي بالاعتراف بها. ونؤكد هنا على «دستورية» مثل هذا الإقرار لئلا يخضع التحديد الجغرافي لهذه الدولة لأمزجة ومشروعات القوي الإسرائيلية المتقلبة على سدة الحكم ،وهو مايحدث راهنا بالفعل.

القضية الدستورية ليست شأناً داخلياً بحتاً يخص القطاعات اليهودية الصهيونية وحدها في إسرائيل.. فهي موصولة باستحقاقات خارجية دولية وعربية وفلسطينية. وللمفارقة، فإنه حتى إذا ساد الاعتقاد بأن هذه القضية أمر داخلي إسرائيلي ـ وهذا خطأ شائع ـ فإن قوى خارجية كثيرة ذات طبيعة واهتمامات حقوقية دولية، عدا العرب والفلسطينيين، لديها فرص للتداخل ومساءلة إسرائيل بشأنها.. لأن إيداع القضية فريسة التصورات الرامية أكثر فأكثر إلى مفهوم الدولة اليهودية الصرفة وإقراره دستورياً هناك، يعظم المخاوف إزاء آفاق الحريات العامة والخاصة لعرب 48. بل وربما جاز توقع أيلولة مصير هذه الأقلية إلى الطرد العنصري بقوة الدستور، شاء عندئذ من شاء وأبى من أبى !.

كاتب وأكاديمي فلسطيني