ترجع البدايات الأولى للعلاقة بين تركيا والولايات المتحدة إلى عام 1947، حين قرر الكونغرس الأميركي استنادا إلى مبدأ ترومان، الرئيس الأميركي آنذاك، اعتبار تركيا دولة تستحق مساعدة اقتصادية وعسكرية لتمكينها من مقاومة ما كان يعرف حينذاك بالخطر الشيوعي الذي يهددها من جارها الشمالي، الاتحاد السوفييتي.

وقد كانت تركيا طيلة سنوات الحرب الباردة، التي استمرت مدة تزيد على أربعين سنة، حليفاً مهماً للغرب وخاصة للولايات المتحدة، حيث ساهمت قواتها المسلحة في وحدات القوات الدولية التي عملت في كوريا بين عامي 1950- 1953 من القرن الماضي، وكانت ضمن الدول الأوائل التي انضمت إلى حلف الأطلسي في عام 1952، وأصبحت كذلك عضواً مؤسساً في منظمة المعاهدة المركزية (السنتو) التي عرفت باسم حلف بغداد عام 1955.

وخلال عقد الستينيات، من القرن المنصرم، كان لتركيا أن تنسق سياساتها الأمنية مع كل من الأردن وإيران وإسرائيل لاحتواء تأثيرات الثورات التي اندلعت في كل من مصر والعراق وسوريا والتي تمخضت عن مجيء حكومات أقامت صلات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي ومع الدول الاشتراكية الأخرى. فقد كانت تركيا عنصراً مهماً في المنظومة الأمنية الغربية التي كانت ترى بأن الفكر الاشتراكي الذي اتخذ من موسكو عاصمة له هو الأكثر خطورة على أمن الغرب وثقافته ومصالحه المستقبلية.

كان أول تعكير لصفو العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا هو ما حدث في عام 1974 حين قامت الأخيرة بغزو شمال قبرص مما دفع الولايات المتحدة إلى حظر تصدير السلاح إليها كرد فعل غاضب، ردت عليه تركيا بإيقاف النشاطات الأميركية في جميع القواعد العسكرية غير المنصوص عليها كجزء من الأنشطة الخاصة بحلف الأطلسي. وقد كان لهذه القضية أن تؤثر على العلاقات بين البلدين لعدة سنوات، إذ على الرغم من أن الحظر على تصدير السلاح قد رُفع عام 1978 الا أن العلاقات بين البلدين لم تعد إلى ما كانت عليه من دفء إلا في الثمانينات.

وكان انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن المنصرم وفشل تركيا في الانضمام إلى المنظومة الأوروبية من العوامل التي بدأت تقلق تركيا حول مستقبلها السياسي خاصة وأن أهميتها الاستراتيجية في نظر الغرب كدولة مجاورة للاتحاد السوفييتي قد زالت بين ليلة وضحاها، إلا أنها سرعان ما استعادت بعضاً من أهميتها الاستراتيجية عندما وجدت الولايات المتحدة لها دوراً في مواجهة تداعيات الغزو العراقي للكويت مطلع تسعينات القرن المنصرم، حيث لعبت دوراً مهماً في إعداد المسرح السياسي والعسكري لإخراج القوات العراقية من الكويت ومن ثم فرض الحظر الجوي على المنطقة الشمالية من العراق. وتتعزز هذه الأهمية الاستراتيجية لتركيا في الوقت الحاضر كلما عززت روسيا من دورها في السياسة العالمية.

كان للنهج العلماني الذي اختطته تركيا الحديثة لنفسها، أثر كبيرفي بناء هذه العلاقات المتينة مع الغرب، إلى درجة أن جميع الحكومات التي تعاقبت فيها بقيت ملتزمة بمبدأ ثابت هو أن أمن تركيا يكمن في استمرار العلاقات المتينة مع الولايات المتحدة وإن تطورها ومستقبلها هو مع دول أوروبا الغربية وليس مع دول الشرق الأوسط.

بدأ العصر الديمقراطي الحقيقي في تركيا عام 1946 حين انتقلت إلى نظام الأحزاب المتعددة بدل نظام الحزب الواحد، حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال، الذي استمر في الحكم حتى عام 1950 حيث خسر الانتخابات العامة وأصبحت السلطة بيد المعارضة، وهي عملية تكررت في نصف القرن الذي تلي رغم حصول ثلاثة انقلابات عسكرية. ومن الجدير بالاهتمام أنه في جميع هذه الانقلابات حرصت المؤسسة العسكرية على الانسحاب إلى ثكناتها وساعدت على إعادة العملية الديمقراطية.

لقد ساد اعتقاد، على مدى طويل، بأن السر في نجاح الديمقراطية في تركيا، على مدى نصف قرن، يعود إلى استبعادها للإسلام من الحياة السياسية. فبعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، أصر مصطفى كمال، مؤسس تركيا الحديثة، على أن مستقبل تركيا في الأمن والرخاء لا يكمن في التمسك بما خلفته الإمبراطورية العثمانية من تراث وإنما بالتوجه نحو المعاصرة التي تنتهجها الدول الأوروبية.

إلا أنه ومنذ منتصف التسعينات من القرن الماضي بدأت الملامح السياسية في تركيا تشهد بعض التغيير، وقد تجلى ذلك في تقلص الدعم الذي لقيه التيار العلماني على مدى عشرات السنين، حيث تراجعت شعبية الأحزاب العلمانية بشكل واضح في السنوات الأخيرة، فمزاج الرأي العام التركي قد تغير.

سجل عام 1995 بداية ملفتة للنظر في منحى السياسة التركية حين أصبح الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان رئيساً للوزارة من خلال تحالف حزبه، حزب الرفاه، مع حزب تانسو تشيللر العلماني. إلا أن ذلك لم يدم طويلاً فقد قام أربكان حال استلامه منصبه بزيارة كل من ليبيا و إيران ودعا إلى بناء اقتصاد إسلامي جديد فأغضب بذلك المؤسسة العسكرية القوية، الحارس التقليدي لعلمانية الدولة التركية، فكان عليه الخروج من الساحة السياسية.

الا أن الرأي العام التركي عاد إلى فرض مزاجه في نوفمبر من عام 2002 حين وضع ثقله لصالح حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وهو حزب إسلامي، اكتسح الانتخابات بأغلبية لم يحصل عليها أي حزب تركي خلال الخمس عشرة سنة الماضية من تأريخ الدولة التركية. وقد استقبلت المؤسسة العسكرية التركية والنخب السياسية التقليدية في تركيا هذا الفوز بتوجس وذعر. ولم يقتصر هذا التوجس على من تحفظ على هذا الفوز داخل تركيا فحسب، بل تعداه إلى عواصم العديد من الدول الغربية، الحليفة التقليدية لتركيا وخاصة الولايات المتحدة.

إلا أن ما يلفت النظر أن حكومة أردوغان قد اندفعت باتجاه إنجاز إصلاحات ديمقراطية أكثر من أية حكومة سبقتها، مما أهل حزب العدالة والتنمية للفوز الكبير في الانتخابات النيابية الأخيرة، هذا في الوقت الذي حافظت فيه على علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا. إن الخارطة السياسية في تركيا تشهد المزيد من التغيير، العلمانيون يفقدون مواقعهم لصالح القوى الإسلامية، فالبرلمان يسيطر عليه الإسلاميون والحكومة تحت سيطرتهم وها هو كرسي الرئاسة يصبح لأول مرة في حوزتهم بعد أن حقق عبدالله غول الفوز في الجولة الثالثة من الانتخابات.

وفي الوقت الذي يعزز الإسلاميون نفوذهم في هرم الدولة التركية وتتعزز قدراتهم على إجراء تغييرات في الدستور بحكم الأغلبية التي يتمتعون بها في البرلمان، يحرصون على إبقاء الطريق أمامهم معبداً، فهم ما انفكوا في كل مناسبة يؤكدون بأن نهجهم الإسلامي لن ينال من علمانية الدولة وأن برنامجهم السياسي يحترم هذه العلمانية ولا يتعارض معها، وأن العلمانية ستكون في الحفظ والصون.

والحقيقة أن هذه الإشكالية تثير التساؤل حول معنى العلمانية الذي قد يكون مختلفاً عند هذا الطرف عن ذاك؟، كما تثير التساؤل حول إمكانية التعايش الطويل بين حزب التنمية والعدالة الإسلامي والمؤسسة العسكرية القوية التي سبق لها أن قامت بثلاثة انقلابات للتدليل على وجودها حين شعرت بالتهميش. فقد شهدت جلسة البرلمان التركي التي أدى فيها الرئيس المنتخب اليمين القانونية غياب الجنرالات على خلاف ما هو مألوف في مناسبات مهمة كهذه؟، كما إن هذه الإشكالية تثير تساؤلاً آخر حول مستقبل العلمانية في أجواءٍ غير علمانية؟.

ليس لدينا أمثلة من تجارب مشابهة عاشتها شعوب أخرى لنحكم في ضوئها، والحقيقة أن هذا الموضوع جدير بالدراسة الأكاديمية لتسليط المزيد من الضوء على مفهوم العلمانية: فكراً ومنهجاً وتطبيقاً. إلا أن ما هو مؤكد في هذا السياق هو أن العلاقات التركية مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة، لا تخضع للصيغ الأكاديمية قدر خضوعها للصيغ البراغماتية التي قد تحرج حزب العدالة والتنمية، فهي صيغ مصالح لا صيغ مبادئ. ومن المهم في هذا المجال الإشارة إلى أن الدور المهم والفاعل للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية التركية منذ تحولت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة إلى علاقات استراتيجية، كان هو الضامن الأكثر أهمية لاستمرار تلك العلاقات.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي