ما علينا نحن العرب إزاء ما يحدث أمامنا على الساحة إلا أن نسمع فقط ونشاهد دون أن نفكر في شيء، وندع قناعاتنا وأحاسيسنا تتشكل من تلقاء نفسها دون أن نعمل عقلنا أو نفكر ولو للحظات في جوهر الأمر وحقيقته وما يحدث خلف الكواليس.

في مشهد أقرب للتمثيل منه للواقع خرجت عائلات مقاتلي «فتح الإسلام» من مخيم نهر البارد كما قيل وأذيع إعلاميا بمساع من شخصيات فلسطينية دينية، وتولى الجيش اللبناني بنفسه نقل نحو 25 امرأة و38 طفلا على متن حافلاته العسكرية لأماكن لم يعلن عنها، قيل أنهم سيذهبون أولا لثكنات عسكرية لاستجوابهم، وقيل أنهم سينقلون لمخيم آخر ليكونوا في مأمن.

كما قيل أن الأمر جاء بمبادرة من الجيش اللبناني نفسه حيث وجهت قيادة الجيش نداءات متعددة لمسلحي «فتح الإسلام» ليتركوا الحرية لنسائهم وأطفالهم ليقرروا مصيرهم بأنفسهم ـ حسب وكالات الأنباء الغربية ـ لأن احتجازهم في رأي قيادة الجيش اللبناني يعد «جريمة أمام الله والقانون».

والغريب في الأمر أن مسلحي «فتح الإسلام» وافقوا على تسليم عائلاتهم للجيش اللبناني واتفقا الطرفان على هدنة لمدة «ساعة واحدة فقط» لإخراجهم، ولم تكد تمر دقائق على انتهاء ساعة الهدنة حتى عاد الطرفان يتبادلان القصف بالمدفعية الثقيلة ليلقى جندي لبناني مصرعه قبل أن تغادر الحافلات العسكرية التي تنقل عائلات المسلحين المنطقة!

هذا ما ذكرته الأنباء حرفيا، وما يثير دهشتنا وتساؤلاتنا حول حقيقة هذه العائلات من النساء والأطفال الذين خرجوا، وأين كانوا داخل المخيم الذي غادره كل سكانه من اللاجئين الفلسطينيين مع القصف المتبادل على مدى أكثر من مئة يوم، وكيف بقى كل هؤلاء أحياء أصحاء قادرين على الخروج والسير في وسط كل هذا الدمار والأنقاض في الوقت الذي بلغ فيه عدد القتلى من الجيش اللبناني ما يقرب المئة والخمسين ناهيك عن مئات الجرحى؟

ومن يشاهد صور المخيم من الداخل لا يرى سوى أنقاض وحطام مبان لا يقف فيها مبنى واحد على أعمدته، وأيضا نتساءل كيف سمح مقاتلو «فتح الإسلام» بتسليم نسائهم وأبنائهم لأعدائهم «الكفار» ـ على حد وصفهم وقناعاتهم ـ؟

والمفترض أنهم مجاهدون إسلاميون ومقاتلون أشداء لم يستسلموا ولم يضعفوا بعد، بل على العكس زادت قوتهم وضراوة قتالهم وشدة قصفهم وضحايا عدوهم بمرور الأيام، فلماذا يسلمون نسائهم وأبنائهم لعدوهم؟، هل إلى هذه الدرجة يثقون في أعدائهم وفي أمانتهم وشرفهم في التعامل مع عائلاتهم ؟،ألم يخشوا أن تستخدم نساؤهم وأبناؤهم كوسيلة ضغط عليهم؟.

من يصدق أن هؤلاء الذين يحاربون الجيش اللبناني الكبير المدعوم عسكريا من أميركا ويتبادلون معه القصف اليومي بالمدفعية الثقيلة طيلة أكثر من مئة يوم هم مجموعة لا تزيد على خمسين فردا كما قيل سابقا وكما يدل على ذلك عدد النساء والأطفال الذين خرجوا؟

ومن أين يأتيهم الإمداد العسكري الكبير هذا وأين يتحصنون داخل أنقاض المخيم ويستطيعون إطلاق قذائفهم الثقيلة التي تحتاج لقواعد أرضية ثابتة ومكشوف مجالها الجوي؟، ومن أين جاءوا بعشرات الآلاف من القذائف الصاروخية، وماذا لو استمر هذا الوضع مئة يوم أخرى أو أكثر، وماذا لو خرج فتح الإسلام للشوارع والمدن اللبنانية،كيف سيقاومه الجيش اللبناني المسكين؟.

الأكثر غرابة ودهشة أن هذه القضية لا تشغل بال واهتمام أحد لا خارج لبنان ولا على الساحة اللبنانية الممتلئة بعناتر السياسة وكهنة الصراعات الذين يتبادلون الاتهامات كل يوم وساعة.

ولا نسمع منهم شيئا عما يحدث في النهر البارد الساخن والمشتعل، وهم الذين يهبون في مظاهرات مليونية لاغتيال صحافي أو سياسي واحد، ويتشدقون بحب لبنان الوطن الذي يتلخص عندهم في فرد واحد يدمرون الوطن انتقاما له، بينما مئات القتلى من جيش وطنهم لا تهمهم في شيء. أكاد أشك أن هؤلاء الكهنة يعرفون جيدا حقيقة ما يحدث في مخيم النهر البارد، لكن شيئا ما يمنعهم من الكلام.

elmoghazy@hotmail.com