السابعة مساء الأحد، 19 أغسطس: أذاع برنامج «60 دقيقة» على قناة «إن. بي. سي» القومية الأميركية تحقيقاً تليفزيونياً بالغ الأهمية في رأينا، وفي رأي العديد من المحللين المهتمين بشأن البيئة الكوكبية كما نسميها، وخاصة ما نواصل رصده والكتابة عنه في مجال تغيرات المناخ وظاهرة الاحترار الكوكبي وما يرتبط بهما من توقعات، بعضها ينبه حتى لا نقول ينذر أو يهدد - بشأن ارتفاع منسوب سطح البحار أو تضاؤل موارد المياه العذبة اللازمة لاستمرار الحياة.
ورغم أن الكتابة عن قضايا البيئة المحيطة بكوكبنا - أو ما يعرف بأنه الشأن الايكولوجي - قد لا تتسم بعنصر الجاذبية على نحو ما تتصف به الكتابة عن دراما وصراعات السياسة وعلاقات الدول ومعاناة البشر في بلد هنا أو انحرافات المسؤولين في بلد هناك - إلا أن ضمير المثقف لا بد وأن يفرض عليه التعاطي مع تلك القضايا التي لم تعد - كما أسلفنا في حديث سبق - مجرد ترف أكاديمي ولا شؤون أو شجون مقصورة على الصفوة من أهل الاختصاص.
بوضوح شديد: لم يعد ثمة معنى للحديث عن المستقبل وأجيال المستقبل من أبنائنا وأحفادنا بغير تناول قضايا البيئة.. من أجل تحليلها واستشراف تطوراتها وهي تطورات محفوفة بالخطر الذي لن تقتصر آثاره على الحدود الوطنية ولا على الأطر القومية بل هو خطر عابر للحدود وللقارات والثقافات، بحيث يهدد ما استطاع الإنسان أن يشيده على سطح كوكبنا من صروح الحضارة والتقدم.
والنموذج الذي جسّده التحقيق المتلفز الذي بدأنا به هذه السطور هو نموذج الموضوعية في تناول القضايا.. لا من خلف المكاتب في الحجرات المكيفة، ولا من خلال لقاءات الاستديو المعتادة مع من يقع عليه الاختيار من تشكيلات العلماء والمسؤولين والمعلقين.. على نحو ما درج عليه الإعلام في أصقاع شتى ومنها الميديا العربية (السعيدة).
لقد انتقل التحقيق التلفزيوني ميدانياً إلى أصقاع القطب المتجمد الجنوبي إلى مجاهل قارة انتاركتيكا التي لا يسكنها أحد.. والتي لا سبيل للوصول إليها عمليا إلا من أقصى الطرف الجنوبي من قارة أميركا اللاتينية.. بكل ما يعنيه ذلك من دقة الاستعداد.. وصعوبة المهمة.. وشظف الإقامة وخطورة الحركة وسط بيئة جليدية تخلو من أي تسهيلات الحياة الحديثة..
ولا يسكنها سوى سلالات خاصة من الحيوانات (الدببة وكلاب البحر) والطير (البطريق بالذات).. فضلا عن عدد قليل من العلماء - الفدائيين كما قد نصفهم - ممن أوقفوا جهودهم على تدارس هذه القارة المجهولة، أو شبه المجهولة ومن ثم فقد استندت أحاديثهم وتصريحاتهم في سياق التحقيق المتلفز إلى مصداقية العمل الميداني والخبرة العلمية المباشرة.. بعيدا عن الأجندات المتعارف عليها بين أهل السياسة أو أصحاب المصالح.. والمآرب أيضا.
والخلاصة التي يخرج منها متلقو هذه الرسالة الإعلامية تؤكد أن موضوع الاحترار العالمي (ظاهرة الدفيئة) واستمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض بكل ما يحفها من خطورة - أصبح هذا كله حقيقة علمية مؤكدة بما لا يجوز أن يكثر فيه الجدل أو المغالطة أو التمويه أو التبرير أو التسويف أو خداع النفس.
والحقيقة - البديهية التالية تؤكد أن السبب الأساسي في هذه التغيرات المناخية في نواميس حركة الحياة فوق كوكبنا هو الإنسان.. لدرجة يؤكد معها العلماء الأميركيون المقيمون في انتاركتيكا أن ظاهرة تغير المناخ بدأت مع بدايات الثورة الصناعية، أي مع مطالع القرن التاسع عشر.. وبالتحديد مع تحوّل الحضارة الإنسانية إلى استخراج طاقة الحركة لتشغيل الآلة من الموارد الكربونية الأساس وفي مقدمتها محروقات الفحم بالذات.
وإذا كان التحقيق الإعلامي المذكور قد استقى معلوماته من أقصى الجنوب المتجمد من العالم.. فثمة شهادات علمية وميدانية منشورة مؤخرا ومستقاة بدورها من أقصى الشمال الثلجي من العالم..
وفي دراسة مقدمة إلى دوائر الأمم المتحدة يكتب السيد (دوان سميث) وهو رئيس المؤتمر القطبي ورئيس للاتحاد العالمي لحفظ الطبيعة سابقا وينتمي - وهذا هو الأهم - إلى شعوب الاسكيمو الأصلية المقيمة في شمال عالمنا - ليؤكد أن المناطق المتجمدة الشمالية ما برحت منذ الثلث الأخير من القرن الماضي تشهد تغييرات سلبية مطردة ما بين ذوبان جبال الجليد التي حسبت تلك الشعوب أنها سرمدية الأمد..
وما بين تآكل الشواطئ وتقلص مساحة البحيرات الجليدية رغم أنها تمثل الوسط الأمثل لنمو سلالات وفصائل من الحيوان والطيور التي تشكل بدورها حلقات حيوية في سلسلة احتياجات الإنسان من الغذاء والدواء والكساء وما إلى ذلك من مستلزمات استمرار الحياة.. ولدرجة أن يتوقع العلماء أن يوافي موعد هذه التغيرات الخطيرة في عام 2040.. أي في غضون جيل واحد من البشر.. وتلك لمحة أو ربما غمضة عين في عمر الكائن الإنساني وعطائه وحضارته فوق ظهر الأرض.
ونحسب أن النتائج السلبية المترتبة على التغيرات في أحوال العالم.. لم تعد سرا ولا هي مخفية عن الأنظار.. ومرة أخرى نحيل إلى أحدث تقديرات الأمم المتحدة التي باتت تفيد بأن الأعوام الثلاثين الماضية - وهي بدورها عمر جيل واحد سبق ليس إلا - شهدت ازدياد الكوارث الطبيعية الناجمة عن اختلال الموازين الدقيقة المرهفة التي تسير وفقها حركة الحياة - بمقدار 13 ضعفا:
ما بين الأعاصير العاتية (كاترينا نموذجا) أو الأمواج المحيطية المدمرة (تسونامي الآسيوية نموذجا) أو الفيضانات الكاسحة (على نحو ما شهدته مؤخرا أصقاع الهند وبنغلاديش وتايلاند وغيرها في جنوب شرق آسيا) فضلا عن غوائل الجفاف الرهيبة التي ما زالت تجتاح شرق العالم إلى غربه.. ما بين أواسط وغرب الولايات المتحدة إلى دواخل الصين.
وبهذا فقد شهد عام 2007 وحده معاناة 134 مليون إنسان من جراء الكوارث الطبيعية ونجم عن تلك الأحداث الخطيرة خسارة لا تقل عن 35 مليار دولار.. فضلا عما شهده عام 2007 من كوارث ما زالت تفضي إلى تشريد الملايين من السكان ومن ثم تدمير ما كانوا يعتمدون عليه من سبل المعيشة.
في ضوء هذا كله يتركز جانب كبير من جهود المنظومة الدولية على وضع أكثر من سيناريو يجمع بين رصد ما قد تؤول إليه الظواهر - الكوارث الطبيعية وبين ما قد تسفر عنه في حجم المعاناة البشرية - فضلا عما هو مطلوب من حيث الاستعدادات الفعلية والمادية لمواجهة مثل هذه التحديات.
هذه السيناريوهات التي تقوم على أساس تصورات المستقبل تحذر من الأخطار المحدقة من جراء تغيرات الطقس على حياة ومعايش أكثر من 200 مليون نسمة من سكان العالم يعيشون في مناطق الفيضانات الساحلية..
وتحذر أيضا من أن غضبة الطبيعة تهدد بانتشار أمراض تأتي في مقدمتها الكوليرا والملاريا التي يحتمل انتشارها من جراء تغير درجات الحرارة..
وتحذر أيضا من تهديد حالة الأمن الغذائي وبالذات موارد المياه في ظل حالات التصحّر وخاصة في مناطق العالم شبه القاحلة مما يهدد حياة أكثر من مليار إنسان في أكثر من 110 من بلدان المعمورة، دع عنك الأخطار التي تهدد بتآكل السواحل وتفتت التربة بل وتعرض كيانات بأكملها لخطر جسيم يصل بها إلى حافة الزوال ومنها مثلا جزر البهاما.. ومنها أيضا بعض المناطق في دلتا الأنهار الكبرى في الصين وبنغلاديش وفي مصر العربية على سبيل المثال.
بل ان النظرة الشاملة لمثل هذه الظواهر يتسع أفقها لكي تربط بين هذه المشكلات الطبيعية والطقسية وبين حالة استقرار الأمن واستتباب السلام الاجتماعي بعيدا عن تفجر الصراعات الاثنية والتوترات الطبقية، تلك التي تنشأ وقد تتطور إلى حد التفاقم والانفجار بسبب ما قد يندلع من صراعات ناجمة عن شح الموارد الأساسية - الحيوية وفي مقدمتها المياه.
العالم إذن يقف عند مفترق طرق.
وعليه أن يسلك طريق السلامة الذي تتمثل أولى معالمه في عبارة محورية واحدة هي:
- «التأهب للتصدي لتقلبات الطبيعة»
بيد أن هذا الطريق مزدوج حيث لا تكتمل أشواطه إلا باتباع اثنين من مسارات الفهم والسلوك:
- أولا: تغيير جذري في سلوكيات التعامل مع المورد المائي.. فقد درج البشر على النظرة إلى الماء بوصفه أكثر الموارد. بعد الهواء - وفرة وشيوعا وبالمجان أو يكاد. المطلوب إذن أن تتحول الإنسانية إلى التعامل مع هذا المورد الحيوي من منظور حزمة من السلوكيات التي ترتبط بمعاني الترشيد والصون والحفظ والحرص والاقتصاد.
- ثانياً: تغيير جذري في سلوكيات التعامل مع المورد الشمسي.. ولكن من المنظور الآخر أو هو الموقف - النقيض وبمعنى حزمة سلوكيات ترتبط بمعاني التوسع في التعاطي والاهتمام والاستخدام بالنسبة للشمس كمصدر أصيل من مصادر توليد الطاقة الأكثر أمانا والأنظف انبعاثا والأنسب استخداما من حيث التكاليف وخاصة بالنسبة لفقراء عالمنا.
هذا هو العالم الذي يظل بحاجة إلى ارتياد آفاق أرحب ومسالك أسلم.. وطبقا لمنظومة من القيم التي تجسدها عبارة محورية هي: أخلاقيات التعامل بمنطق الحمد والرشد والحرص على ما أبدعه الخالق عز وجل وما أتاحته عبقرية الخلق من موارد الطبيعة لصالح الإنسان.
كاتب مصري