قامت الدنيا ولم تقعد لأن وزيرة الخارجية البريطانية السابقة مارجريت بيكيت صرحت في بداية مايو الماضي أن التغييرات المناخية العالمية ستترك تأثيرات موجعة على مصر، إذ إن النيل سيفقد 80 % من تدفقه بحلول عام 2050، كما أن أجزاء من الدلتا ستغرق في مياه البحر.
وقتها انبرى المسؤولون المصريون للتكذيب، وأكدوا أن هناك أغراضاً سياسية وراء التصريحات، وأن الوزيرة اعتمدت على نماذج رياضية لا تعطي نتائج مؤكدة.
والحقيقة أن تذبذب إيراد نهر النيل ثار حوله جدل كبير وقام العلماء في الخارج بإنتاج 10 نماذج رياضية حول إيراد المياه في النهر، أشار نموذج واحد منها فقط إلى احتمال زيادة إيراد النهر بنسبة 30 % .. أما بقية النماذج التسعة فأكدت أن النيل سيفقد ما بين 30 % : 65 % من مياهه.
كما أن علماء مصريين حذروا قبل سنوات من سيناريوهات مفزعة، فالدكتور سامر المفتي الخبير المصري في البيئة أكد أن مصر سوف تتعرض لكارثة.. فزيادة درجة الحرارة ستؤدي إلى غرق المناطق المنخفضة في العالم، ومنها الدلتا، فضلاً عن الانخفاض المستمر للدلتا بسبب السحب المستمر للغاز الطبيعي....
والدكتور خالد عودة المشرف على المتحف الجيولوجي بجامعة أسيوط وأحد العلماء البارزين أكد أن الدلتا تهبط سنويّا ما بين متر إلى 6,1 متر بسبب انعدام تراكم الطمي منذ بناء السد العالي، بالإضافة لارتفاع البحر نتيجة ارتفاع درجة حرارة الأرض، مما يهدد بغرق الدلتا المؤكد ما بين عامي 2040 - 0502 وسيبدأ الغرق بالإسكندرية والتي ستصبح مجموعة من الجزر المنعزلة مثل مدينة البندقية الإيطالية، ثم تتبعها باقي المدن الساحلية كبورسعيد ورشيد ودمياط.
أما الدكتور مصطفي كمال طلبة رئيس المركز الدولي للبيئة والتنمية وأحد أبرز الخبراء العالميين في هذا المجال فقد توقع أن يرتفع سطح البحر بحلول عام 2035 ما بين 20 و40سم.. وهذا معناه أن كل المناطق التي تكون في مستوى سطح البحر أو تحته سوف تغرق، وإذا حدث ذلك فإن مصر ستفقد 25 % من مساحة دلتا نهر النيل وهذا يحرم مصر من أجود أراضيها الزراعية كما سيؤدي إلى تهجير نحو 8 ملايين مواطن.
ويوم الجمعة الماضي نشرت صحيفة ( يو .إس .توداي ) الأميركية تقريرا استند إلى آراء خبراء وعلماء البيئة بجامعة الإسكندرية وحذر من اختفاء دلتا النيل ومن أن ملايين المصريين سيجبرون على ترك منازلهم بشكل دائم والهجرة إلى أماكن أخرى، كما يعني التدمير الكامل لزراعات القمح والأرز وباقي الزراعات في دلتا مصر.
كما سيؤدي ذلك أيضا إلى تلوث المياه الجوفية ومياه النيل بمياه البحر ويجعلها غير قابلة لا للزراعة أو للري وسيدفع غرق الدلتا المصريين إلى العيش في الصحراء، ونقل عن الدكتور محمد الراعي الخبير البيئي بجامعة الإسكندرية قوله ( إن الحالة جد خطيرة وتتطلب اهتماما جديا من الحكومة، وان أي تأخير سيعني مزيدا من الخسائر).
ويثير احتمال اختفاء المدن شجونا، فكثير من المدن الغارقة ظلت في اعتقاد الناس مجرد أسطورة، ومنها مدينة بومبي الإيطالية التي أسست في القرن الثامن قبل الميلاد وكانت من أهم المدن التجارية وأكثرها هيمنة.
واكتشفها علماء الآثار عام 1748، كذلك مدينتا هيراكليون ومينيوثيس القديمتان واللتان اكتشفتا على عمق 8 أمتار تحت سطح البحر وكانتا قد غرقتا في البحر في القرن الثامن الميلادي نتيجة لزلزال أو فيضان النيل وقد اكتشفهما فريق جمعية فرانك جوديو مدير منظمة الإغاثة من الكوارث الطبيعية وذكر الاكتشاف للمرة الأولي في20 يونيو2000.
ويبدو أن مصر انتبهت مؤخرا للكارثة المقبلة فاعتمدت حوالي 300 مليون دولار لإنشاء حواجز أمواج لحماية شواطئ البحر من النحر ومن ارتفاع الأمواج، وإلقاء كميات هائلة من الرمال على الشواطئ. لكن هذا لا يكفي فالإسكندرية ليست مجرد مدينة لكنها متحف كامل ، كما أنها من أقدم المدن التي لا تزال مأهولة على ظهر الكوكب .. كل شارع فيها يحكي تاريخ حقبة زمنية.
وظلت المدينة مصدر إشعاع عالمي طوال التاريخ المروي، حيث نهلت منها الحضارة اليونانية أم الحضارات الغربية الحديثة، ومن ثم فإن إنقاذها لا يجب أن يكون مسؤولية مصر وحدها، إنها مدينة للكوزموبوليتان بكل ما تحويه الكلمة من معنى، لا ينبغي أن تكون المدينة شهيدة للاحتباس الحراري، بل شاهدة عليه .. كما شهدت على غيره من العصور الغابرة.