لا نعلم شيئاً عن الأسباب الحقيقية لرفض الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش تسلم رئاسة اللجنة التحضيرية للقدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009، حيث لم يتم توضيح الدوافع الموجبة والمعللة كما هو معتاد، ولكن بالتأكيد ينبغي أن نأخذ هذا العزوف أو الرفض بموضوعية مجرداً من التساؤلات المحرضة، مع أن كل متابع للشأن الفلسطيني ينبغي أن يستوقفه هذا الرفض طالما أن هذا يتعلق بالقدس «زهرة المدائن» التي غنتها فيروز وعاصمة لثقافة الوجود والصمود والتطلع إلى السلام الحقيقي على هذه الأرض.
وما لم يقله الشاعر محمود درويش علناً عن أسباب رفضه لرئاسة اللجنة التي تم تشكيلها مؤخراً بمرسوم رئاسي أصدره محمود عباس ظهر جلياً بموجة الاحتجاجات الواسعة في الشارع الفلسطيني على طبيعة هذه اللجنة المؤلفة من 47 عضوا، فقد ذهب البعض إلى حد القول إنها لجنة «تأبين أكثر منها لجنة احتفال».
وآخر اعتبرها صدمة مروعة للتفكير الثقافي الفلسطيني الذي وصل إلى هذا المستوى فيما ذهب آخرون إلى أكثر من ذلك، إلى اعتبار قبول فكرة القدس عاصمة للثقافة كان قراراً متهوراً لانه حسب زعمهم «ان الفلسطينيين لا يمتلكون حالياً أية مقومات لاحياء هذا الحدث وكان من الأفضل تأجيله لانهم غير مستعدين لتقديم شيء مهم، مضيفين انه لا نريد أن يكون عام 2009 عام الفضيحة الذي يكشف عن ضعفنا على الأرض».
المحزن والمبكي في هذا المشهد الفلسطيني الذي أظهر حجم المشكلة المتجذرة في التفكير الجمعي العام، والقصور الهائل في النظرة إلى القضايا الجوهرية عندما يتم الغرق في التفاصيل الصغيرة والشكلية، وبما أن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول المثل فإن النخب الثقافية الطليعية التي حولت الخلاف على الشكل:
أي على تأسيس اللجنة والأسماء التي انضمت إليها أفقدت القضية زخمها، فيما جوهر القضية وهو الاحتفاء بالقدس المغتصبة منذ حوالي أربعين عاماً كعاصمة للثقافة العربية يتحول إلى تفصيل عادي، بعد أن أطبقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في العشرين عاماً الماضية على تراث هذه المدينة التاريخية وتحاول مسح هويتها العربية والإسلامية من الوجود، وتنظيم ما يسمى بـ «ترانسفير ثقافي» مدروس وماكر ضد المؤسسات الثقافية والأهلية المقدسية التي كانت عاملة فيها منذ عشرات السنوات.
وكان آخرها بيت الشرق الذي تم إقفاله بعد وفاة رئيسه المرحوم فيصل الحسيني الذي كان وجهاً مقدسياً مقاوماً بشراسة عن مدينة أجداده يضيق به الإسرائيليون ذرعاً، كما أن عدد السكان المقدسيين إلى تضاؤل نتيجة الإجراءات التعسفية الظالمة، ضدهم حيث بدأ تعدادهم يقل عن المئتي ألف إنسان بفضل التضييق المستمر عليهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية ومن هوياتهم في حال السفر أو الانتقال لظروف خاصة.
إضافة إلى التغيير الممنهج والمدروس في معالم المدينة وآخرها الحفريات الخطيرة التي تتم في محيط الحرم القدسي الشريف للتفتيش عن «هيكلهم المزعوم» تحت سمع العالم وبصره الذي لا يحرك ساكناً.
كان من المقرر أن تكون بغداد الجريحة هي عاصمة الثقافة العربية لعام 2009 إلا أن اعتذارها بسبب الأوضاع الأمنية عن مكانتها الدورية هو الذي منح القدس هذا الدور، وكأن بين القدس وبغداد موعد مضروب في المعاناة والقهر ومواجهة المحتل الغاصب، بإرادة المظلوم الذي يواجه ظالمه وبإرادة صاحب الحق الذي يسعى لتثبيت حقه وانتزاعه من براثن مغتصبيه المتوحشين، ما لم تسمح ظروف بغداد بتنفيذه فإن زهرة المدائن القدس الصامدة تبرعت بالقيام به، مؤكدة أنها جاهزة لهذا التحدي، كما قال وزير الثقافة الفلسطيني إبراهيم ابراش الذي اعترف بأنه لم يستشر بوصفه الجهة المعنية بالحدث في اختيار اللجنة، إلا أنه على الطريقة العربية الحماسية .. نحن لها».
بعيداً عن رمزية هذا الحدث الكبير الذي يبدو طابعه ثقافيا بامتياز ولكنه لا ينفصل عن السياسي إلا أن الضياع في الشكليات الظاهرة، ولم يبق عليه أكثر من عام، يفقد القضية زخمها على الرغم من أهمية التفاصيل، إذ إن رأي أصحاب الأصوات المعترضة على اللجنة وطبيعة أعضائها وجيه جداً، خصوصا ما أثاره البعض بأن عدداً من الأعضاء غارق حتى أذنيه في الفساد وله تجارب سابقة في هذا المجال. كما لا يمكن استبعاد فلسطينيي الشتات من اللجنة وفلسطينيي 48.
وفي طليعتهم المفكر الكبير عزمي بشارة وإرث إدوارد سعيد واعتبارهم غير معنيين بالقضية لأسباب غير معروفة.
ضمن هذا الصخب العالي حول مشروعية اللجنة لم نسمع أصواتا تبحث فرضية لجوء إسرائيل إلى منع إقامة فعاليات ثقافية في القدس والبدائل المقترحة.
وبالرغم من أن وزير الثقافة الفلسطيني الذي يؤكد أنه ليس لوزارته أي دور أساسي في هذا الحدث المهم مع أن قرار مجلس وزراء الثقافة العربي فوضه بالدور الاساسي إلا أنه يؤكد أن البدائل جاهزة، مثل إقامة الفعاليات في الضفة وغزة والشتات.
بقدر وضوح رؤية الوزير المستبعد عن ميدانه نستطيع استنتاج غياب محمود درويش عن الحدث، والتنبؤ سلفاً بالخواتيم لمثل هذه القضايا.