بعد النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية التركية راجت في بعض الأوساط مقولات ترى أن نظرية الدومينو العتيقة يمكن أن تتكرر في الوطن العربي أي أن يحقق الإسلاميون المعتدلون نجاحات انتخابية تجعلهم يسيطرون على الحكومات والسلطة في الدول العربية. ونفس المقولات راجت مع نجاح حماس في انتخابات السلطة الوطنية في غزة وسيطرتها على البرلمان التشريعي الفلسطيني.
وتقوم نظرية الدومينو على أن التطور الذي يحدث في دولة من الدول يمكن أن يحدث تطورات أخرى تقوم عليه أو تتشابه معه في الدول المجاورة لهذه الدولة. وبموجب هذه النظرية وتأويلاتها الخاصة بالعدالة والتنمية وحماس والعالم العربي، فان المنتظر أن يحدث وفقا لجدول الأعمال العربي المنتظر أن يحقق الإسلاميون المغاربة انتصارا انتخابيا كبيرا في الانتخابات التشريعية المنتظرة. وان يتكرر نفس الأمر مع كل تيار إسلامي معتدل مع كل استحقاق انتخابي منتظر في العالم العربي.
والحاصل أن مروجي هذه النظرية يتجاهلون الكثير من المعطيات الخاصة بالوطن العربي والتي يمكن الدخول فيها أن ينسف التحليل من بدايته، فإذا تغاضينا عن أن نظرية الدومينو ذاتها لم تعد صالحة للتحليل في القرن الواحد والعشرين خاصة وأنها من نفايات التحليل السياسي في ربع النصف الأول من القرن العشرين .
وهى تقوم على التبسيط في الوقت الذي أصبحت فيه المجتمعات في كافة مناطق العالم تتسم بالتعقيد، فان هناك طبيعة خاصة لكل من العالم العربي وللتيارات الإسلامية فيه تجعل من سريان نظرية الدومينو أمراً من المستحيل بمكان، وإذا عطفنا كل ذلك على طبيعة التجربة التركية والإسلام السياسي في تركيا لوجدنا أن التحليل السابق الإشارة إليه لا يستند إلى اى أساس.
فهذا التحليل يتجاهل الأمر الاساسى في نجاح العدالة والتنمية في تركيا وهو انه استطاع التكيف مع النظام العلماني التعددي، وان يمزج بين الإسلام والحداثة، والمجتمع التركي يمكن أن يسرى عليه وصف الأوروبي أكثر من وصف المجتمع الإسلامي وهذا الأمر يعني أن التجربة التركية يمكن أن تكون صالحة للانتقال وفقا لنظرية الدومينو إلى الدول المحيطة بتركيا في أوروبا وهي ليست بها أحزاب إسلامية. حتى دول منطقة آسيا الوسطى المحيطة بتركيا والتي يوجد بها أقليات تركية وأحزاب إسلامية فهي الأخرى غير قابلة لتطبيق نظرية الدومينو، لأنها أكثر تأثرا بالتجربة الإيرانية عن التجربة التركية.
والحقيقة السابقة تؤكد أن العالم العربي بمنأى عن التأثر بالتجربة التركية، وبالتالي فان سريان نظرية الدومينو عليه تأثرا بما حدث في تركيا هو أمر من الصعوبة بمكان. يضاف إلى ذلك أن هناك خصوصيات للعالم العربي في مقدمتها طبيعة الحركة الإسلامية غير المتصالحة في معظمها مع الحداثة والتي لا يؤمن اغلبها بالتعددية ولا بالدولة ذات الطابع المدني.
ووجود أطياف متعددة للحركة الإسلامية منها من يمارس العنف ومنها ما هو معتدل في الأفكار ومنها ما يؤمن بالسلفية الجهادية ومنها ما يؤمن بعدم تدخل الدين في السياسة ووجود صراعات فكرية وسياسية بين كل هذه الأطياف بما يمنع وجود تيار عام للحركة الإسلامية على نفس النمط الذي حدث في تركيا عندما سيطر العدالة والتنمية على المجال الإسلامي وأصبحت التيارات الأخرى مجرد هوامش له لم يعد لها تأثير كبير على الرأي العام التركي.
والتحليل الذي يتصور إمكانية سريان نظرية الدومينو في العالم العربي من جراء التطورات التي تحدث في تركيا يتجاهل عاملاً مهماً جدا وهو أسلوب تعامل الحكومات والسلطات في الوطن العربي مع الظاهرة الإسلامية وجماعات ومنظمات الإسلام السياسي بشقيه المتطرف والمعتدل وهى تستهدف تحاشي أية إمكانيات لتطبيق نظرية الدومينو فيما يتعلق بتأثير تطورات تحدث في دول مجاورة للدول العربية.
وهنا لابد من الإشارة إلى انه مع كل نجاح يحققه الإسلاميون عن طريق الديمقراطية في اي دولة إسلامية سواء من دول الجوار الجغرافي للعالم العربي أو ليست من هذه الدول، يحدث تضييق من الحكومات العربية على الإسلاميين وأحيانا ما يتضمن هذا التقييد اعتقالات أمنية وهو الأمر الذي يمكن أن يزيد من شعبية التيارات الإسلامية لكنه يؤثر عليها في الاستحقاقات السياسية.
وهذا الأمر يعني أن الحكومات العربية واعية تماما لهذا التحليل، على الرغم من أن نفس الحكومات ومن خلال خبرائها السياسيين تدرك تقادم نظرية الدومينو فيما يتعلق بإمكانيات تطبيقها في المجتمعات.
والحاصل أن الإسلام السياسي التركي له خصوصية في النشأة والنمو الاستمرار، وهذه الخصوصية، تعني انه كان بعيدا عن تأثيرات الخارج فضلا عن أننا لا يمكن أن نجزم بأنه سوف تكون له تأثيرات على الخارج، وان كانت بعض التيارات الإسلامية تعتبر أنها لابد وأن تستفيد من التجربة التركية لكننا لا نعتقد أن العدالة والتنمية الحريص على علاقاته بالحكومات العربية سوف يسعى لمعاونة أو دعم هذه التيارات.
وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة جديرة بالاهتمام قد تكون هي التي دفعت بعض المحللين إلى القول بإمكانية سريان نظرية الدومينو في العالم العربي انطلاقا من تركيا، وهو ما تردد عن تشجيع الولايات المتحدة للإسلام المعتدل وأنها تعتزم تشجيع الحركات الإسلامية في العالم العربي بان تحذو حذو تركيا فيما يتعلق بالمزج بين الإسلام والحداثة.
وما يفوت هذه التوقعات هو أن هذه السياسة الأميركية لا تعني أن تنجح الحركات الإسلامية في الانتخابات، وإنما أن تتكيف برامجها مع الحداثة مثلما فعل العدالة والتنمية التركي. أما المترتب على ذلك وهو المتعلق بالانتخابات فهو لم يكن متضمنا في الخطاب الأميركي، ذلك أن الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على علاقتها القوية بالحكومات العربية من اجل الحفاظ على مصالحها في المنطقة.
كاتب مصري