نشرت مجلة «نيوزويك» في عددها الأخير لقاء مع القس إميل حداد، رئيس منظمة سفراء السلام الأميركية، وهي منظمة كل أعضائها مسيحيون إنجيليون ينتمون إلى ما يعرف في أميركا بكنيسة الرب ويبلغ عدد أتباعها حوالي 800 ألف معظمهم من العرب والأسبان.

في عام 2003 صدر عن هذه المنظمة وثيقة تعرف بـ «بوثيقة الحقوق الدينية»، وقد جاء إصدارها في وقت هيمن فيه العامل الديني على مسرح السياسة العالمية. وأصبحت النزاعات الدينية والطائفية هي سيدة الموقف. فجاءت هذه الوثيقة لتساهم في تهدئة الأوضاع وذلك بما تحمله من مبادئ تساهم في إيجاد جو من التفاهم والإخاء بين الناس بغض النظر عن معتقداتهم و دياناتهم.

يبدو من خلال قراءة مبادئ الوثيقة بأنها تحمل في ظاهرها مبادئ التسامح والإخاء، ولكن أثارت هذه الوثيقة من الضجة الشيء الكثير خاصة في أوساط المسلمين في العالم العربي وخاصة في مصر، حيث طالب أكثر من نصف أعضاء مجلس الشعب المصري الحكومة المصرية بأن ترفض هذه الوثيقة، وأن لا تستقبل أي أشخاص لهم علاقة بها.

كما رفضها شيخ الأزهر ونفى أي صلة له بالوثيقة بعد أن وصفها الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بأنها «وثيقة لتنصير المسلمين»، على الرغم من أن رئيس اللجنة الدائمة في الأزهر للحوار بين الأديان السماوية الشيخ فوزي الزفزاف أكد أنه وقع عليها بطلب من شيخ الأزهر نفسه بعد أن استقبل أعضاءها في الأزهر. فما هي قصة هذه الوثيقة، ولماذا أثارت هذه الضجة، ولماذا يبذل القائمون عليها كل هذه الجهود لنشرها؟

وخاصة إذا علمنا أن القس إميل حداد يبذل جهوداً مضنية للتعريف بها ونشرها، وقد وصلت جولاته في سبيل ذلك إلى ديوانيات المثقفين في الكويت، حيث كان في الكويت قبل فترة بسيطة والتقى بمجموعة من المثقفين وألقى عدة محاضرات للتعريف بالوثيقة في عدد من الديوانيات.

في الواقع تضمنت الوثيقة 17 بنداً وتنطلق من فكرة أن المجتمع المدني لم يعد يقبل بتسييس حقوق الإنسان الممنوحة من الله والتي تتمثل أهميتها في حرية الاعتقاد والعيش بسلام، ووفق هذا المبدأ يجب أن يتم حل الخلافات الدينية وفق الحوار المبني على الاحترام وبعيداً عن اللجوء إلى العنف.

أما عن البنود الأخرى فقد تراوحت ما بين مجموعة من الإقرارات الإيمانية كما يراها أصحابها، كحق جميع الأفراد والمؤسسات في أن يعرضوا نظرتهم الخاصة بالأمور اللاهوتية والترويج لمعتقداتهم الدينية أو الإنسانية أو الحياة الآخرة بدون تدخل من قبل المؤسسات السياسية أو الدينية في الدولة، كما من حق أي فرد رجلاً كان أو امرأة، في اعتناق أو رفض اعتناق أي دين من الأديان دون التعرض لأذى من قبل أي جهة دينية أو سياسية. كما أن من حق أي إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني العيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقدهم.

من خلال قراءة البنود يبدو أن الصورة مشرقة وخالية تماماً من أي نوايا سياسية، ولكن من يقرأ ما وراء السطور، كالقراءات التحليلية التي قدمها بعض علماء المسلمين حيث رأوا أن الوثيقة تحمل في طياتها رائحة تبشيرية تعيد إلى الأذهان تاريخ التبشير المسيحي في المنطقة العربية.

فأن تمارس المنظمات الدينية عملها أياً كان نوع الدين الذي تبشر به دون تدخل من سلطات الدولة السياسية أو الدينية، فهذا يعني محاولة لحماية حرية النشاط والعمل للمؤسسات الدينية الغربية في الدول العربية. خاصة أن حركات التبشير المسيحي ازدادت في الآونة الأخيرة في دول مثل الجزائر ومصر والسودان والعراق التي تم افتتاح 15 كنيسة إنجيلية فيها منذ سقوط بغداد.

وهناك دعم مادي كبير جدا تقدمه السلطات الأميركية والأوروبية للحركات التبشيرية، فقد كشف تقرير صادر عن البيت الأبيض نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية في 16-3 ـ2006 أن الإدارة الأميركية قدمت خلال عام 2005، أكثر من ملياري دولار كمنح للجمعيات الدينية المسيحية بهدف تقديم الدعم المناسب لممارسة عملها التنصيري بشكل واسع.

والأمر لا يقتصر على الإدارة الأميركية فالمنح التي قدمتها الدول الأوروبية بلغت في عام 2001 نحو 280 مليار دولار أميركي وذلك من خلال 4100 منظمة للتبشير، و4450 محطة إذاعة وتلفزيونا تنصيريا و1540 خطة للتنصير.

النقطة الأخرى التي أثارت الاعتراضات المصرية والعربية في هذه الوثيقة أنه رأوا فيها بالإضافة للخفايا التبشيرية التي تحملها، أنها ذات أبعاد سياسية وذلك من خلال قراءة أحد البنود الذي يقر أن «لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقده»، فقد رأوا في هذا البند تبرير وحماية للوجود الإسرائيلي في المنطقة. على الرغم من نفي أصحابها ذلك حيث أكدوا أن الوثيقة لا علاقة لها بالسياسة وإنما تهدف إلى بث روح التآخي بين الناس.

ولكن تبقى هذه الوثيقة مهما حاول أصحابها تلميع بنودها، محل شكوك، فكيف وهي تدعي أن رسالتها عالمية في الوقت الذي لم تشارك أي جمعية عربية أو إسلامية في صياغة بنودها ولم تبلغ أي جهة بها إلا بعد الانتهاء منها، على الرغم من أن المخاطب الأساسي فيها الجهات الدينية في الدول العربية، بدليل عندما تم الانتهاء منها صدرت أول ما صدرت للأزهر الشريف حتى يتم أخذ موافقة المسؤولين القائمين على هذه الجهة.

لا أحد يستطيع سلب أي جهة كانت حق نشر معتقداتها وفكرها فهذا حق مشروع للبشرية وإلا لماذا ينشر الإسلام في كل بقاع الأرض؟ صحيح أن رسالته عالمية وليست حكراً على فئة معينة. وكذلك الديانات الأخرى ولو لم تكن عالمية إلا أن أصحابها يريدون نشرها في كل مكان ولكن الفرق ما بين الإسلام وغيره، أن الإسلام يعمل في الظاهر وبشكل علني.

أما عن توقيت نشر هذه الوثيقة، فأعتقد أن التوقيت مناسب، فالحروب والمجازر والتصفيات البشرية زادت حدتها في هذه الفترة بالتحديد وذلك بسبب الاختلافات الدينية والمذهبية بين الأفراد. فلابد من تكاتف الجهات الدينية بشتى أنواعها لوضع المزيد من الخطط وإصدار الوثائق التي تساهم في تهدئة الأوضاع.

ولكن لابد أن نقر حقيقة لا مفر منها أبداً تدور حول العلاقة ما بين الاختلافات الدينية والمذهبية حيث تدور دائماً في إطار الشك وعدم الثقة وستظل كذلك ولا اعتقد أنها ستلتقي إلا في إطار سياسات الأنظمة الوطنية الخاصة بكل دولة تلك التي ستستطيع بالدرجة الأولى تنظيم طبيعة هذه العلاقة وتحدد روافد التقائها، أما الوثائق العالمية فلن تساهم أبداً في تهدئة الأوضاع لأنها سينظر لها دائماً بعين الشك والريبة وخاصة عندما تصدر لأفراد يؤمنون بنظرية المؤامرة الدولية للنخاع.

مركز زايد للتراث والتاريخ