هناك اقتراح منطقي جداً كنا قد أشرنا إليه في مقالة سابقة ونود لو يتم رفعه بشكل رسمي إلى الأمم المتحدة لاتخاذ قرار صارم بصدده وتنفيذه قبل فوات الأوان.
هذا الاقتراح يهدف إلى تقليل نسبة الحروب التي تنفجر بين تارة وأخرى بين شعوب الكرة الأرضية لأسباب كثيراً ما تكون تافهة ولكن يدفع ثمنها ويروح ضحيتها ملايين البشر. فنحن جميعاً نعلم أن اتخاذ قرار شن أو بدء الحرب يتخذ عادة من قبل رئيس القبيلة، أو الإمارة أو الدولة أو المملكة أو أي كيان من نوع مختلف. فلم نسمع قط أن اتخذ أحد الأطراف قرار الهجوم أو بدء الحرب على طرف آخر من قبل من هو أدنى مرتبة من زعيم المجموعة أياً كان شكلها.
وبما أننا نتحدث عن حروب الدول الصغيرة والكبيرة، فإن رئيس أي دولة لا يمثل نفسه فقط وإنما حكومته وشعبه في حالة الدول التي تعتمد على نظام الانتخابات، ولا يمثل إلا نفسه وحكومته التي شكلها بنفسه في حالة الدول التي يكون فيها الحكم بالوراثة. وحيث ان الشعوب تختار زعمائها ليس على أساس برامجها في شن الحروب ولكن على أساس برامجها في تنمية الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فبالتالي تخرج قرارات الحروب عادة عن إطار هذا الاختيار.
فماذا لو أن الأمم المتحدة أصدرت قراراً يوجب:
1- على أي دولة أو مجموعة دول تنوي شن الحرب على دولة أو دول أخرى أن تطرح القرار أولاً على شعبها أو شعوبها لاتخاذ القرار بالاقتراع المباشر المعلن (أي أن يعلن عن أسماء المنتخبين بلا أو بنعم)، تماماً كما يتم في حالة الانتخابات الرئاسية، بدعوى أن قرار الحرب مسألة خطيرة للغاية لا تقل أهمية عن انتخاب رئيس للدولة، لما لهذه الحرب من آثار تدميرية كاملة وشاملة على الأفراد والبنى التحتية أياً كانت نتائج الحرب. إن مسألة اتخاذ قرار الحرب بهذه الطريقة يعني أن الإجراءات قد تطول شهوراً ما قد يفسح المجال لتفاديها أو إيجاد حلول سلمية بديلة. ثم ان هذه الطريقة تضمن على الأقل ألا يحاسب رئيس دولة من الدول وحكومته على قرارات فردية مصيرية قد تزعزع كيانه أو تطيح به وبحكومته مستقبلاً، كما حصل للولايات المتحدة في فيتنام وكما يحصل لها الآن في العراق وكما كاد أن يحصل لحكومة إيهود أولمرت في (إسرائيل)، وكما حصل لأدولف هتلر قبل أكثر من ستين سنة.
2- في حالة أن الشعب اختار بشكل معلن كما أسلفنا قبل قليل، قرار شن الحرب (وهذا احتمال ضعيف جداً) فإن الجنود يتم اختيارهم في هذه الحالة، فقط من بين المواطنين الذين أيدوا قرار شن الحرب ويستثنى الذين عارضوها.
3- يجب أن يكون الرئيس ونائبه وحكومته وعائلاتهم وأبنائهم في الصف الأول من الجيوش المحاربة في ساحة المعركة ويأتي من بعدهم بقية الفئة من الشعب الذين أيدوا شن الحرب.
4- لا يجوز للأمم المتحدة إصدار قرارات حل الخلافات بين الشعوب عن طريق الوسائل المسلحة أو الحروب أو بوسائل غير سلمية، كما حصل في العراق مثلاً، حتى ولو فشلت كافة المساعي السلمية لحل تلك المسائل. فدور الأمم المتحدة يجب أن يكون سلمياً إلى أن تقوم القيامة.
5- يمنع تدخل أي طرف ثالث في مساندة أحد الطرفين. وفي حالة تدخله يصبح طرفاً معتدياً وتنطبق عليه بالتالي نفس المعايير السابقة.
6- يمنح للأمم المتحدة فقط وبالطرق غير المسلحة حق مساعدة أو مساندة أو دعم الدولة المعتدى عليها حتى ولو كانت ظالمة أو معتدية على حق من الحقوق، ولكنها لم تكن ظالمة حقاً من الحقوق بوسائل عسكرية أو باستخدام العنف. أما إذا كانت قد بدأت بالظلم بوسائل مسلحة، ولم تجد محاولات المصالحة السلمية، فإنه لا يجوز التدخل بين الطرفين وتحسم الحرب على أساس المنتصر أياً كانت النتائج. حيث ان دور الأمم المتحدة أساساً هو حل الخلافات بين الدول والشعوب بالطرق السلمية دون اللجوء إلى السلاح.
وقد يعترض آخر بأن الأمم المتحدة قد تتخذ قراراً ظالماً بدعم وضغط من دول كبرى لها مصالحها الخاصة كما حصل في العراق. ونقول ان قرارات الأمم المتحدة قرارات جماعية تشترك فيها كافة الشعوب والدول الأعضاء فيها وبالتالي على الجميع الالتزام بقراراتها واحترامها أياً كانت طالما أن الأكثرية قد اتخذتها. كما أنه يجوز الاعتراض عليها وإعادة مناقشتها. غير أن شن الحروب الفردية لا يضمن مطلقاً كسب المعركة وانتزاع الحقوق المصادرة. إضافة إلى أن الخسائر والنتائج السلبية لحروب انتزاع الحقوق والتي قد تطول لعشرات السنوات قد تكون أكبر بكثير من الحق الذي شنت لأجله الحرب. وانطلاقاً وتأكيداً على هذا المبدأ أشار القرآن الكريم في قوله تعالى إلى: (ولا تعتدوا) (إن الله لا يحب المعتدين) وفي عديد من آياته يدعو إلى عدم البدء في الحرب، والجنح إلى السلم، والتسامح وعدم الإسراف في القتل... إلخ.
7- ان أي دولة تبدأ بحرب مسلحة تعتبر في نظر الأمم المتحدة دولة معتدية حتى ولو كانت حربها بهدف استعادة حق مسلوب.
اننا لسنا مشرعين، وإنما داعون لاعتبار الإنسان على الأرض قيمة تعلو مجمل ممتلكات الأرض، باعتبار أن (من قتل نفساً بغير نفس أو فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً)، و(كرمنا بني آدم) وغيرهما من الآيات القرآنية التي تجعل من الإنسان قيمة عليا وما دون ذلك مسخراً لسعادته على الأرض. وباعتبار أنه لم يعرف التاريخ حالاً ظلت كما هي عليها ولا شعباً ظل كما هو عليه، فهناك إمبراطوريات وممالك وشعوب سادت وعلت في الأرض وحاربت وغزت وقاتلت وقتلت ثم بادت ومسحت من على الأرض ولم يعد لها من أثر، وهناك شعوب مستضعفة، قوتلت وسيطر عليها وكادت تفنى وإذا بها تعود للحياة من جديد. وبالتالي، فإن أي حرب من الحروب لا يمكنها مهما كانت نتائجها أن تستحوذ على حق الآخرين ولا ترد حقاً ضائعاً دون ثمن باهظ ربما فاق قيمة الحق المسلوب نفسه. ترى ماذا جنت الولايات المتحدة من حربي فيتنام والعراق؟ وروسيا من احتلال أفغانستان والدول التي وضعتها تحت سيطرتها في أوروبا الشرقية؟ وألمانيا من احتلال فرنسا بالكامل؟ وفرنسا من الجزائر؟ وإسرائيل من فلسطين؟ وغيرهم من أمم الشرق والغرب.... بل ماذا جنى الإسكندر الأكبر من حملاته حتى وصل إلى حدود الصين والهند؟ وماذا تبقى اليوم من مملكته العريضة؟ ونضرب مثلاً معاصراً حديثاً بسيطاً جداً: ترى ماذا جنى اللبنانيون والإسرائيليون والعالم بأسره من حرب العام الذي مضى والتي دارت رحاها على أرض لبنان، غير الدماء والدمار والفقر والجوع والعطش؟ إن مجرد مجزرة مدينة قانا وحدها جريمة لا يغفرها الرب أياً كانت الأعذار والأسباب... فكيف بالضحايا من أطفال العراق وفلسطين والعالم بأسره؟ ترى من سيرد الروح إلى هؤلاء الأبرياء المختبئين تحت ظلام الأرض هروباً من نيران الحرب والذين منحهم الله وحده لا أحد غيره حق الحياة كما منحها إلى أمثال أولمرت وبوش وبلير وشيراك وميركل؟
لا أحد: ذهب هؤلاء الأبرياء ضحية جهلنا وغرورنا وأطماعنا ومطامعنا في قطعة أرض، وفي برميل نفط، وفي هضبة عالية، وفي قطعة حديد خردة وفي عدد من ذرات من الرمل التي لم تنقص منها كما أثبت ذلك العلم ذرة واحدة منذ خلق الله الأرض، فكل ما يخرج ويستخرج من الأرض يعود إليها... من بشر ومواد.
ليت الأمم المتحدة تتجرأ وتتخذ هذا الاقتراح محمل الجد، ولنرى بعد ذلك أي رئيس دولة لديه الجرأة الكافية لاتخاذ قرار الحرب هو وحكومته ومن ثم حمل السلاح لكي يتقدموا الصفوف الأولى إلى ساحات المعركة الحقيقة بدلاً من الاختباء في السراديب السرية في البيت الأبيض والأسود والأحمر... فهم لم يذوقوا بعد حرارة اختراق رصاصة من الفولاذ الطبقة الأولى من البشرة ومرورها بعظام القفص الصدري ثم استقرارها في مركز القلب... ولم يشعروا برعب الجندي الذي يجلس في بطن دبابته قبل أن تصيبها قذيفة مصنوعة في مصانع بلده فيحترق حيا حتى الموت: ليس المهم الموت بقدر مصيبة ألم الاحتراق البطيء ورائحة الشواء البشري... ليتهم شعروا أيضاً بطعم فقدان واحد من أبنائهم أو أخوانهم لكي يعرفوا بأن الذين يموتون في الحروب التي شنوها هم أيضاً يحملون في قلوبهم وصدورهم نفس مشاعر الحزن والأسى والألم المميت.
ليست الشجاعة في اتخاذ القرار وإنما في المشاركة فيه، لذا أتمنى أن تطلب الأمم المتحدة من الرئيس بوش (حيث انها الحرب الأكثر دموية في تاريخ القرن الواحد والعشرين) إذا كان مؤمناً بالحرب وبضرورتها لحسم الخلافات بين شعوب الأرض أن يتقدم هو وأبنائه وعائلته وأعضاء حكومته بدءاً من ديك تشيني إلى وزير الحرب وأبنائهم إلى ساحة المعركة كأي جندي أميركي عادي حر وشجاع ومسؤول عن حماية بلده من الإرهاب....
كلا.. سنخفف الحكم قليلاً: يشترط على كل رئيس يدعو إلى الحرب أن يبعث أحد أبنائه أو بناته إلى ساحة المعركة بشرط أن يكون في الصفوف الأولى من المعركة.
فهل هناك أب يملك تلك الشجاعة والجرأة؟
وهكذا لن تكون هناك بعد اليوم حروب ولا غزوات ولا مصالح على حساب الشعوب ولا دمار ولا أيتام حرب ولا أرامل حرب ولا عاهات حرب ولا ضحايا حرب ولا أم ثكلت أبنها ولا أخ فقد أخاه ولا أب وجد نفسه يدفن جثة ابنه في التراب، ولن يموت الناس سدى، وسوف يعيش العالم في سلام دائم، إنها مسألة قرار .. لا أكثر...
(ملاحظة 1 : بتاريخ 22/8/2007 أي قبل أيام فقط، قتل 14 جندياً أميركياً في العراق في تحطم مروحية عسكرية، كل منهم لديه في بلده أب وأم وزوجة وأطفال وأخوة وأصدقاء).
(ملاحظة 2: وصل عدد الجنود الأميركيين الذين قضوا نحبهم في العراق حتى كتابة هذه السطور 3800 جندي: لكل منهم أسرة مكونة من أب وأم وزوجة وأطفال وأخوة وأصدقاء وأحلام ومشاريع تجارية).
جامعة الإمارات