يمتلك النائب اللبناني وليد جنبلاط موهبة خارقة في الاستفزاز وجر الخصوم إلى منازلته بالتوقيت الذي يريده، ويكاد ينفرد بهذه الميزة لنفسه حيث يذهب إلى معاركه السياسية الفيصلية كما يذهب قادة الحروب إلى معاركهم الطاحنة، على وقع موسيقى المارسيليز.

ليست كل المعارك تحديداً السياسية التي خاضها ويخوضها وليد جنبلاط خاسرة وتعبّر عن الإفلاس فهو يملك طاقة عملاقة على المواجهة والأهم من كل ذلك أنه لا يملُّ المراوغات السياسية وإن اقتضى فالعسكرية لا مانع، انه حالة فريدة لا تشبه إلا نفسها، حلفاؤه هم خصومه في أي لحظة وبالعكس خصومه هم حلفاء له في أي لحظة.

وعنده من القدرة ما يجعله يفصل بين هذه وتلك، والتعامل مع كل حالة بشروطها وأدواتها، يمتلك شخصية فذة في حرق المراحل، فعمله في الحقل السياسي يشبه عمل البنائين الذين يخلطون أدوات الاسمنت ويشرعون بتغيير معالم المكان، وكعمل الروائيين الذين ينزعون إلى الخيال كوسيلة فضلى لتأسيس عالمهم الافتراضي.

وليد جنبلاط سريع في بناء الجسور ولكنه أيضاً سريع في هدم هذه الجسور، فالسياسة لديه ليست فن الممكن، بل فن اللحظة، والسياسة بالنسبة إليه على طريقة (أنا السياسة، السياسة أنا) متخطياً ميكيافللي في هذا المجال.

ويقول المثل الشعبي (الولد سر أبيه) فلا ننسى أن وليد جنبلاط هو سر أبيه الراحل كمال جنبلاط الذي كان معروفاً بمناوراته السياسية الفذة، الذي كان زعيماً استثنائياً بشخصيته القيادية وعلمه وفكره وثقافته وفلسفته التي يعترف بفرادتها خصومه ومحبوه، وقد وصفه أحد الكتاب المقربين منه، بأن الرجل اجتمعت فيه ثلاث خصال: انه فيلسوف من عقل أثينا وحكيم من روح الهند وقائد من بسالة إسبارطة، لهذا لا نستغرب إذا كان قد اجتمعت في الأب كل هذه المزايا أن يكون عليها ولده بهذه الحنكة السياسية وهذه الشراسة غير المحسوبة العواقب أحياناً.

وهو الذي استطاع أن يتجاوز ضيق مساحة المكان وأن يمدد زعامته على مساحة الوطن بأسره، وأن يكون عضواً فاعلاً ومؤثراً فيه، فوليد جنبلاط يستطيع بتصريح صغير لإحدى وسائل الإعلام المسموعة أو المقروءة على السواء أن يرفع من حرارة الوطن إلى درجة الخطر وبإمكانه أن يخفضّ دقات قلب الوطن إلى ما دون.. دون الخطر، وهو بذلك استطاع أن يتجاوز زعامة أبيه في هذا المجال التي كانت ملء السمع والبصر.

ويروي رئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون في مذكراته أن كمال جنبلاط عندما كان يزوره في القصر كان يأتي إليه حاملاً في جعبته مجموعة من المطالب تبدأ بالتحالف مع المنظومة الاشتراكية في حينه إلى دعم الحقوق العربية في فلسطين، إلا أن الرئيس شمعون الذي كان خصمه اللدود في منطقة الجبل يقاطعه قائلاً: أعطني من الآخر يا كمال بيك، فكان جنبلاط يتنازل بمطالبه من التحالف مع القوى التحررية في العالم إلى تعيين موظف في الشرطة أو ناطور في إحدى القرى التابعة لنفوذه.

ووليد جنبلاط على خطا الوالد كما صرح مؤخراً العماد ميشال عون إنه هدد بحرب أهلية عندما أحس أنه سيفقد مقعداً نيابياً في منطقة بعبدا، ويذهب البعض في تفسير تحول جنبلاط من حليف لدمشق إلى خصم عنيد لها أنه طالب بتعيين حوالي الألف شاب من جماعته في الشرطة اللبنانية عندما كانت سوريا صاحبة نفوذ في لبنان منذ حوالي العامين، ويبدو أن طلبه لم يُلب بالسرعة التي يفترضها ويتمناها، فكانت مسيرة التحول نحو قيادة ثورة الأرز، وأصبح رأس حربة في وجه الوجود السوري في لبنان بعدما كان أحد أعمدته الصلبة.

والمطالب الشرس بنزع سلاح المقاومة وإسقاط القدسية عنها بعدما كان أحد داعميها الأساسيين والواقفين إلى جانبها، وكان لا يفوّت مناسبة للمقاومة إلا ويكون في طليعة صفوفها خطيباً مفوهاً حماسياً على منابرها. أما اليوم فهو يعير رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بأنه تحول إلى صندوق بريد للمقاومة، وهذا ما دفع بري إلى الرد على السيد جنبلاط بأنه لم يُبق شيئاً لمدحه بعدما أجهز على كل شيء.

وليد جنبلاط الذي افتتح معركة رئاسة الجمهورية بفتح الحروب على الحلفاء والخصوم معاً في لبنان هو اليوم حجر الرحى في الحركة السياسية الصاخبة والمعقدة في لبنان، فقد هدد حلفاءه بالإعدام السياسي والمعنوي إذا غيّروا مواقفهم، وشن هجوماً لاذعاً على خصومه السياسيين مفتعلاً معركة إقصاء ضد نبيه بري باعتباره المسؤول الأول عن انعقاد المجلس النيابي في محاولة لإنزال الرعب في قلبه ليسلم له، على طريقة عنترة الذي قال (اضرب الضعيف حتى تنزل الرعب في قلب القوي)، فهل ينجح وليد جنبلاط هذه المرة في حربه الجديدة. لننتظر؟