في كل مرة كان الفلسطينيون يواجهون فيها أزمة أو مجزرة أو عدواناً، كانت بيانات فصائل المقاومة التي تتقدم عقب اجتماعاتها القيادية، تبدأ بلازمة متكررة، لا تنقصها الثقة العميقة من أن الشعب الفلسطيني يمر في أخطر مرحلة من مراحل تاريخه النضالي.

ولأن حياة الشعب الفلسطيني عبارة عن مسلسل متصل من الأزمات والمآسي والتضحيات، كان لابد للذاكرة الشعبية من أن تصحح ما درجت عليه بيانات الفصائل التي كانت تستهدف تعزيز الصمود وتوليد الأمل، ذلك أن المشهد العام للأحداث أخذ يتجه نحو أن تصبح الأزمات مجرد مقدمات لأزمات أخرى أشد خطورة.

كان الاحتلال وما زال هو السبب الأساسي والدائم الذي يشكل مصدر الكوارث والأزمات والآلام والمخاطر بالنسبة للشعب الفلسطيني، إلى أن وقع الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس في قطاع غزة في الرابع عشر من يونيو الماضي، وما جاء بعده ليولد قناعات أخرى لم يعد للقهر أو الظلم من آخر أو للكارثة من قعر تصله اليد.

ذلك أن أوضاع الشعب الفلسطيني على مختلف المستويات متقهقرة، وهي من سيء إلى أسوأ، ومن أزمة صعبة إلى أخرى أصعب منها وأعتقد أن الفصائل المتقاتلة على سلطة هشة، أخذت تتقاسم أو تتشارك مع الاحتلال المسؤولية عن توليد وخلق الأزمات والكوارث وفي سد أي نافذة أمل في الفرج القريب. الوقت يمضي ثقيلاً، كئيباً، على سكان قطاع غزة.

وكلما طال أمد الانقلاب والانقسلام العميق، تراجعت الآمال بإمكانية تجاوز الأزمة الخطيرة التي لم يعهد لها الشعب الفلسطيني مثيلاً فقط نكبة العام 1948، حين طرد الفلسطينيون من أرضهم، وأقامت الحركة الصهيونية بدعم من الدول الاستعمارية، على أرضهم دولة إسرائيل.

في هذه المرة، إسرائيل ومن يواليها، تحارب الفلسطينيين، والفلسطينيون يحاربون بعضهم بعضاً، وإسرائيل والعالم المحيط يحاصر قطاع غزة، والفلسطينيون يحاصرون أهل القطاع أيضاً وينقسم الفلسطينيون الضعفاء على أنفسهم إلى حد القطيعة دونما أمل قريب بإمكانية استعادة وحدتهم، ذلك أن كل طرف لا يزال يتمترس في خندقه، ويعاند الآخر وحقائق التاريخ.

في هذه المرة لا يحق للفلسطينيين أن ينحوا باللائمة على دولة الاحتلال البغيضة ولا على السياسات الاستعمارية المنحازة ولا إسرائيل التي تتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته، ولا يحق لهم أن يتحدثوا ويراهنوا على عجز وتخاذل النظام الرسمي العربي فلقد ساهموا بأيديهم في صنع ما عجز الاحتلال لفترة طويلة عن تحقيقه، فكانوا بوعي أو بدونه يخدمون المخططات الإسرائيلية العاملة كل الوقت من أجل تدمير القلعة الفلسطينية من داخلها، ومن أجل تقسيم الشعب الفلسطيني وإبعاده عن أرضه، وتبديد هويته وقضيته.

تدرك القيادات السياسية في فلسطين أبعاد الصراع الداخلي، والانقلاب في قطاع غزة، وما جاء بعده وما يجره على الشعب الفلسطيني وقضيته من مخاطر صعبة، لكن واقع الحال ومجريات الأحداث اليومية، ومواقف الأطراف، بقدر ما أنها تعمق هذا الإدراك، فإنها تمضي أكثر فأكثر في الاتجاه المعاكس تماماً لما يدركه العقل السوي.

فلقد استوت على عرش السياسات، الأجندات الفصائلية والخاصة، وانزاحت إلى حين المصالح الوطنية العامة، بل إن الأخطر من ذلك، هو أن بعض القيادات الفصائلية تتصرف على اعتبار أن هناك تطابقاً بين أجندتها الخاصة والأجندة الوطنية، مما يعني إنكار وعزل الآخر، ويعني أيضاً احتكار الحقيقة بما يؤكد شكلانية الرغبة في الحوار والدعوة إليه.

تبحث الأطراف الفلسطينية على جانبي خط الانقلاب، والاحتراب الدموي، عن مساومات مع المحتل الإسرائيلي، وتبدي بين الحين والآخر استعدادها لتقديم تنازلات أو إبداء بعض المرونة، ولكنها تقفل أبواب المساومة أمام بعضها البعض، حتى بدا التوسط من أجل الحوار، مجرد شعار فارغ المضمون لا سبيل إليه.

من أجل الحوار بادرت بعض الشخصيات والقوى الوطنية الفلسطينية، وبادرت على استحياء بعض الدول العربية، لكن مواقف الطرفين في فلسطين لم تتبدل ولم تتغير منذ اليوم الأول بعد الانقلاب الحمساوي، والحال أن معظم الدول العربية التي تتحسر على حال الفلسطينيين، وتدرك مدى خطورة أوضاعهم، امتنعت عن التقدم بمبادرات جديدة حتى لا يحسب عليها فشل آخر هي في غنى عنه، خصوصاً بعد فشل اتفاق مكة الذي احتضنته المملكة العربية السعودية، ورعاه الملك عبدالله بن عبد العزيز.

في اليوم التالي للانقلاب دعا رئيس حركة حماس خالد مشعل الرئيس محمود عباس وحركة فتح للحوار، ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف القيادات الحمساوية عن الدعوة لحوار غير مشروط، ولكنها أيضاً لم تتوقف عن مواصلة إحكام قبضتها على كل شيء في قطاع غزة الذي اختفت منه تماماً كل مظاهر ومعالم السلطة السابقة، ومنذ اليوم التالي للانقلاب أعلن الرئيس محمود عباس رفضه للحوار قبل أن تتراجع حماس عما فعلته في غزة، وتعيد إلى السلطة مراكزها ومقارها وممتلكاتها وتعتذر للشعب الفلسطيني عما قامت به.

ومنذ ذلك الوقت، والإنسان الفلسطيني خصوصاً في قطاع غزة، يتعرض للمزيد من الانتهاكات والقمع، وسياسات الإقصاء والاحتلال، والضغوط المتزايدة جراء الحصار غير المسبوق الذي يخضع له. المعابر مغلقة تماماً ولا قدرة للناس على الحركة، والتجارة متوقفة تماماً، وكذلك أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة ورشة، لا يخرج من القطاع أي سلعة.

ولايدخل إليه سوى المواد الغذائية وبعض الأدوية والمحروقات، إلى أن مر القطاع في ظلام دامس الأسبوع الماضي، نظراً لتوقف الممول الأوروبي عن دفع فاتورة الوقود الذي يغذي شركة توليد الكهرباء في غزة والبالغة إثنا عشر مليون يورو، فضلاً عن غرق الشوارع بالقمامة بسبب إضراب عمال وموظفي البلدية.

الأوروبيون يعللون قرارهم بأسباب أمنية، ذلك أن المعلومات المتوافرة لديهم تشير إلى أن حركة حماس تقوم باقتطاع مبالغ من عائدات شركة توزيع الكهرباء في قطاع غزة، ولذلك فإن عودتهم لدفع فاتورة الوقود ارتبطت بتوقف حركة حماس عما تقوم به إزاء شركة غير حكومية.

الرئيس عباس وحكومته الشرعية يعملان قدر المستطاع ضد حركة حماس ويحاولان في الضفة إقامة نموذج مختلف حتى لا يتكرر هناك ما وقع في غزة، لكن الاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقف تعمل على تعطيل ذلك.

من الواضح أن الشعب والقضية ضحايا الانقلاب والانقسام والأجندات الحزبية، وأن معالجة هذه الأزمة الخطيرة، تتوقف على مدى استعداد أي من الطرفين لقبول حوار بينهما، فيما تراهن حماس على الصمود دون اعتذارات مسبقة، مما قد يضطر أطراف عربية أو دولية للتعامل مع الأمر الواقع، والضغط على السلطة لقبول الدخول في حوار غير مشروط تتمكن من خلاله مقايضة سيطرتها على قطاع غزة، بحصة كبيرة في السلطة والمنظمة، وإلا فلتستمر الأمور على ما هي عليه.

والحال أن الناس أخذوا يفقدون قدرتهم على التحمل والصبر، بعد أن فقدوا ثقتهم بالفصائل والقيادات، فيما يقترب استحقاق الاجتماع الدولي الذي دعا الرئيس بوش لعقده في الخريف، بينما يذهب إليه الفلسطينيون لمقابلة هذا الاستحقاق وهم في أضعف حال فماذا ينتظرون؟.

كاتب فلسطيني