مع بداية الشهر الحالي كثفت القوات الروسية من تدريباتها العسكرية في عدد من مناطق روسيا وآسيا الوسطى حيث نفذت القوات الجوية في منتصف أغسطس تدريبات على مدار عدة أيام، تضمنت إطلاق صواريخ (مجنحة) من طائرات حلقت فوق المحيطين الهادئ والأطلسي ومنطقة القطب الشمالي. كما نفذت وحدات من قوات الأمن تدريبا في منطقة بحيرة بايكال تتضمن فعالياته قيام غواصين بصد هجوم إرهابي.
وشهدت منطقة القوقاز تدريبات قامت بها وحدة من القوات الروسية تضم 100 جندي وضابط بتسلق قمة ألبروس (5622 مترا). وتتضمن فعاليات التدريب قيام الجنود أثناء نزولهم من القمة بإيقاف عصابة مهاجمة من الإرهابيين. وينتمي المتدربون إلى لواءين جديدين بدأ العمل على تشكيلهما من الجنود الذين تم إعدادهم للقتال في المنطقة الجبلية والذي يجب أن ينتهي قبل أوائل ديسمبر 2007. وسيضم اللواءان حوالي 4 آلاف جندي.
وقد ترافقت التدريبات العسكرية الروسية مع مناورات السلام-2007، التي نظمتها منظمة شنغهاي وشاركت فيها قوات صينية وروسية وقرغيزية وبيلاروسية. وبدأت المناورات المشتركة في مدينة اورومتشي الصينية، ثم تم تنفيذ المرحلة الثانية منها في منطقة استراخان والتي شاركت فيها القوات الجوية لعدد من الدول الأعضاء في المنظمة، لتختتم في ميدان تدريب «تشيباركول» في مقاطعة تشيليابينسك الروسية.
وشارك في التدريبات نحو 6 آلاف فرد من القوات المسلحة لبلدان منظمة شنغهاي (منهم حوالي 2000 من روسيا و1700 من الصين)، وكذلك أكثر من ألف آلية وتقنية عسكرية. وبالرغم من تصريحات قيادات القوات المشاركة في المناورات بأن مناورات «مهمة السلام - 2007» التي تجريها منظمة شنغهاي للتعاون لا تستهدف بلدانا أو منظمات أخرى.
وأن هدف المناورات تدريب قوات البلدان المشاركة على التصدي للإرهاب. إلا أن هذه المناورات، والتي ترافقت مع أكثر من 50 طلعة جوية تدريبية فوق المحيطين الأطلسي والهادئ والبحر الأسود. ونفذتها طائرات عسكرية روسية. أثارت قلقا غربيا باعتبار أنها تجرى في ظل احتدام التوتر في العلاقات بين موسكو والعواصم الغربية.
وجاءت تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين، والتي أعلن فيها قرار موسكو باستئناف تحليق الطيران الاستراتيجي على أساس دائم، بعد أن توقفت منذ 15 عاما، بعد أن حلقت من 7 مطارات متواجدة في مناطق مختلفة من روسيا 14 طائرة من حاملات الصواريخ الاستراتيجية وطائرات الدعم اللوجستي. لتزيد من القلق الغربي خاصة بعد أن أكد بوتين أن الدوريات القتالية التي تشارك فيها 20 طائرة ستستمر لضمان الأمن الروسي.
ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن روسيا تملك78 قاذفة استراتيجية مهيأة لحمل الصواريخ النووية، وتضم الترسانة الروسية 872 صاروخا مجنحا بعيد المدى ومجهزا برؤوس نووية والقنابل النووية. وتتوفر في الطائرتين «تو - 95 م س 6» أو «تو - 95 م س 16» الإمكانات التقنية لحمل 6 - 16 صاروخا إضافة للقنابل نووية. كما تستطيع «تو - 160» أن تحمل 12 صاروخا مجنحا، وعددا من القنابل النووية. وبالمقابل تكشف بيانات المعهد المذكور عن إن الترسانة العسكرية الأميركية تضم 106 قاذفات استراتيجية.
ولعل حرص إيران على المشاركة في أعمال منظمة شنغهاي، ومساعيها للانضمام إلى هذه المنظمة ستزيد من هموم الولايات المتحدة، باعتبار انه في حالة انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي، سوف تلتزم روسيا والصين بمساندتها في حال تعرضها لهجمة عسكرية أميركية، وذلك وفق الاتفاقات الموقعة بين الدول الأعضاء.
واعتبر العديد من المحللين الأميركيين أن تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، التي أكد فيها على أن نشر المنظومة الأميركية للدفاعات المضادة للصواريخ في أوروبا لا يهدد إيران وحدها، بل جميع أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون، تعكس تفاهما آسيويا-روسيا حول ضرورة مواجهة خطط واشنطن.
ولم يقتصر الأمر على النشاط العسكري الروسي المكثف، وإنما بدأت روسيا بتسليم سوريا راجمات الصواريخ من طراز باننستير أس -1، وذلك بعد تصريحات لقائد الأسطول البحري الروسي الأدميرال فلاديمير ماسورين حول ضرورة تواجد قطع الأسطول في البحر المتوسط بشكل دائم، الذي سيؤثر على احتكار الأسطول الأميركي للنفوذ في هذه المنطقة. ما أثار تساؤلات عن دوافع موسكو لتكثيف تحركاتها العسكرية وتوسيع تعاونها في هذا المجال ليس فقط مع دول وسط آسيا وإنما أيضاً مع سوريا.
هذا التصعيد في النشاط العسكري الروسي يرتبط بالدرجة الأولى بمساعي واشنطن لفرض حصار عسكري حول روسيا، وتهديد أمنها القومي، سواء عبر نشر الدرع الصاروخية أو عبر تطويق روسيا بقوات حلف الناتو. وهو ما اعتبره وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف فجوة كبيرة بين تطلعات واشنطن وموسكو في مجال السياسة الخارجية.
وأعرب لافروف عن قناعة موسكو بأن القوى السياسية المتنفذة في أوروبا والولايات المتحدة تسعى إلى مناقشة ما أسموه «ردع روسيا»، حيث تخطط النخبة الأميركية لبدء حرب إعلامية ضد ما تسميها «الرأسمالية المستبدة»، وهي الرأسمالية التي تقودها روسيا والصين. ولابد من القول ان واشنطن حريصة على التمسك بأيديولوجية تضع الولايات المتحدة فوق الجميع باعتبارها «أكثر بلدان العالم حرية». ويصعب إقناع الولايات المتحدة بتهذيب نفسها إلا بالقوة. وهو ما يدركه الأميركيون، لهذا فإنهم يعدون عدتهم الحربية.
وكان لابد أن يقود هذا الوضع إلى زيادة بنود الانفاق العسكري في ميزانية روسيا، وأن تبدأ بتجهيز قوات الدفاع الجوي بأحدث أسلحة الدفاع الجوي، منها منظومة «س - 400» التي تعرف أيضاً باسم «تريومف»، والتي بدأ استخدامها في إحدى وحدات الدفاع الجوي قرب مدينة ألكستروستال (مقاطعة موسكو). وذلك بعد أن كانت عملية تحديث الأسلحة وتجهيز القوات الروسية قد توقفت لسنوات طويلة.
وتجدر الإشارة إلى أن منظومة «س- 400» تستطيع تدمير الطائرات والصواريخ التي تحلق بسرعة تصل إلى 4800 متر في الثانية وعلى ارتفاعات تتراوح بين 10 أمتار و50 كيلومترا، من بعد يزيد على 250 كيلومترا. كما أنها قادرة على رصد وتدمير 12 هدفا جويا في آن واحد.
كما بدأت وزارة الدفاع في تنفيذ خطة تقضي باستبدال أجهزة الرادار التي تستخدمها القوات المسلحة الروسية بأجهزة جديدة قبل عام 2015. وسيتم تطبيق منظومات جديدة للاتصال والمراقبة. وقد تم تزويد القوات الروسية بحوالي 36 نموذجا من الأسلحة الجديدة، منها صاروخ «ر-29 ر غ و» (سينيفا) البالستي، وعلى مدفع هاون «نونا س م-1» الجديد من عيار 120 ملم. كما أنشأت وزارة الدفاع مركزا موحدا لإدارة تحليقات الصواريخ التي تحمل الأجهزة الفضائية.
ويثير هذا الوضع قلق الاقتصاديين الروس، باعتبار انه يجر البلاد مرة أخرى إلى مآزق سباق التسلح، الذي سيؤثر سلبا على الاقتصاد الروسي، في نفس الوقت سيصعد من حدة الحرب الباردة التي بدأت تحتدم في الفترة الأخيرة بين موسكو وواشنطن.
المشكلة تكمن في أن الإدارة الأميركية التي تواجه أزمة اقتصادية حقيقية متمثلة في أزمة المدفوعات الخاصة بالقروض الإسكانية الأميركية، هي التي تتحمل مسؤولية التوتر الدولي وزيادة سباق التسلح، متجاهلة مصالح المجتمع الدولي والمواطن الأميركي والمخاطر التي يواجهها الاقتصاد العالمي من جراء هذه السياسية العدوانية.
مركز دراسات الطاقة
روسيا