المدرب «كارتر» هو ليس اسماً لفيلم أميركي فقط بل هو اسم يروي قصة حقيقية لمدرب فريق كرة السلة بمدرسة «ريتشموند» الثانوية في ولاية كاليفورنيا، ومدرسة ريتشموند هي مدرسة متواضعة ينخرط أكثر من 80% من خريجيها في سلك الجريمة فمنهم من يذهب إلى السجن ومنهم من يذهب إلى القبر.
لم يكن فريق السلة في تلك المدرسة النائية يحلم بأن يصل يوماً ما إلى مصاف متقدمة في المنافسات المحلية، إلا أن كارتر استطاع أن يوصله للمباراة النهائية في بطولة الولاية، حيث قدم الفريق أداءً متميزاً لم يتوقعه أحد، فتمكن العديد من اللاعبين من الحصول على بعثات دراسية في جامعات محترمة وأكملوا ممارستهم للعبة بطريقة احترافية.
ومما أثار الرأي العام في الولاية وألّب الناس على كارتر أنه أغلق في يوم ما صالة التدريب في المدرسة وكاد أن يلغي جميع مباريات الموسم التي كانت ستعقد في المدرسة وتوقف عن تدريب الفريق لأنه اشترط عليهم قبل بدء التدريب ألا تقل معدلاتهم عن نسبة معينة وألا يتغيبوا عن أية حصة، إلا أن الطلبة أخلوا بالاتفاق ـ الذي كان مكتوباً وموقعاً منهم ومن ذويهم ـ وعلى إثر ذلك عقدت المدرسة جلسة استماع للمدرب وأولياء الأمور وأقرت في النهاية فتح قاعة التدريب رغماً عن كارتر.
انصرف كارتر بعد الجلسة إلى صالة التدريب ليأخذ حاجياته ويرحل من المدرسة، وعندما دخل تفاجأ بأن فريق السلة كان جالساً على مقاعد الدراسة في وسط الملعب، عندها قام أحد الطلبة وقال له: «قد يستطيع الأهالي فتح القاعة ولكنهم لن يستطيعوا إرغامنا على اللعب. نعم، الدراسة أهم من اللعب، وأنت تريدنا أن نحصل على درجات عليا حتى ندخل الجامعة وليس السجن.
وتريد أن تعلمنا وتعلم المجتمع بأننا لسنا فوق القانون لمجرد أننا أبطال، وأنه يجب علينا أن نحضر جميع الدروس حالنا في ذلك حال أي طالب آخر، لأنه من يصبح فوق القانون يمتلك قوة خارقة تجعله يدمر المجتمع والحياة من حوله دون أن يشعر أحياناً، وعندها فإنه يجب أن يخاف من نفسه» فتراجع كارتر عن قراره واستمر في تدريب الفريق حتى المباراة النهائية.
وفي عهد لويس السادس عشر كانت طبقة النبلاء تخاف من نفسها، فكانت مستبدة إقطاعية شأنها في ذلك شأن رجال الكنيسة وكان البون يزيد اتساعاً بينهم وبين عامة الشعب، وكانوا يستخدمون نفوذهم عند الملك للحصول على صلاحيات حكومية وأراضٍ إقطاعية دفع الشعب ثمنها من عرقه وتعبه ورزقه، عندها ثار الشعب ضدهم وضد ظلمهم الذي حرم الشعب حتى من الخبز الذي يعد أقل حق للإنسان.
فانقلب الشعب ضد ذلك الاستبداد وتحولت العامة إلى غوغاء ترفع شعارات الحرية وتدوسها تحت أقدامها في تناقض عجيب، فنفسهم أولئك الذين اقتحموا الباستيل ليحرروا سجناءه أتوا بكلاب لتحكم على كل سجين في مسرحية هزلية تراجيدية، فكانوا يأتون بالسجين ويسألون الكلب إن كان يجب إطلاقه سراحه أم لا، فإن نبح الكلب مرة أطلقوا سراحه وإن نبح أكثر من مرة أعدموه.
وفي حال أنه لم يعجبهم شكل السجين فإنهم كانوا يشنقونه دون تردد بين قهقهاتهم السكرى، وعندما تخاف طبقة النبلاء من نفسها يتحول المثقفون إلى منافقين، فحتى مونتسيكو الذي دعّم الثورة الفرنسية ورفع شعارات الإخاء والمساواة والحرية، وصاحب كتاب «روح القوانين» الذي دعا فيه إلى فصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية لم يكن صادقاً فيما يقول، فهو نفسه الذي قال: «لا أظن أن الرب قد وضع في نفس أي إنسان أسود روحا».
عندما يخاف المسؤول من نفسه يتحول الناس إلى ضباع تنتظر اللحظة الحاسمة لتنقض على أي فريسة كانت، تماماً مثلما حدث لسكان مدينة «نيو أورليانز» بعد أن ضربهم إعصار كاترينا الذي ترك الناس بين صريع ومشرد، فبعد كاترينا أصبح الجميع فوق القانون وأصبح مجتمع برمته يخاف من نفسه فعمت السرقة والاغتصاب والقتل.
شاهدت بعيني لقاءً لمدير شرطة المدينة بعد أن دمر الإعصار كل شيء وهو يقول بأن الوضع مأساوي، فالشرطة بين نارين، فهي من ناحية تحاول إسعاف الجرحى والمرضى ومن ناحية أخرى تطلق الرصاص على العصابات التي كانت تنهب كل شيء في المدينة، حتى دماء بني جلدتها.
في رواية باولو كويلو الشهيرة «الخيميائي» خرج سانتياغو في رحلة غامضة من أسبانيا إلى مصر بحثاً عن حجر الفلاسفة الذي يمكن صاحبه من تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وخرج كذلك باحثاً عن إكسير الحياة الذي لا يجعل الإنسان شاباً على الدوام، ولو أنه حصل عليهما لأصبح ممن يخافون من أنفسهم ولما استطاع أن يجد فاطمة.
عندما هزم فريق مدرسة ريتشموند في المباراة النهائية دخل عليهم المدرب كارتر غرفة تبديل الملابس وقال لهم: «على الرغم من أنكم لم تفوزوا في مباراة اليوم إلا أنكم أنتم الأبطال لأنكم تغلبتم على خصم أشد ضراوة من الفريق الذي فاز، تغلبتم على أنفسكم، ومن اليوم فصاعداً فإنكم لن تخافوا من أنفسكم أبداً».
باحث إماراتي