بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار حلف وارسو العسكري الذي كان يضم دول المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي لم يبق على الساحة الدولية تكتلات عسكرية ذات قيمة وشأن سوى حلف شمال الأطلسي(الناتو)، الذي كان يضم في عضويته 15 دولة .

وانضمت إلية عشر دول أخرى كانت عضو في حلف وارسو، وزاد نشاط حلف الناتو بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحرب الباردة حيث استخدم القوة ولأول مرة في تاريخه في منتصف التسعينات في يوغوسلافيا، ثم بعد ذلك في مناطق أخرى من العالم كان آخرها أفغانستان،

وبدأ الحلف منذ منتصف التسعينات في توسعاته شرقا ليصبح على الحدود المتاخمة لروسيا التي لم تملك القدرة على وقف هذه التوسعات، ومازالت طموحات الناتو مستمرة لضم دول أخرى من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق أمثال جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان.

والبقية تأتي، وأصبح الأمر يثير إزعاجا وقلقا كبيرين لدى روسيا وأيضا الصين التي باتت تشعر أن توسعات الحلف ستحيط بحدودها الآسيوية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في إطار الحملة الأميركية على الإرهاب، حيث أسس الحلف قواعد عسكرية هامة ومؤثرة في دول وسط آسيا في أوزبكستان وقيرغيزيا الواقعتين بين روسيا والصين.

نشاطات الناتو في القارة الآسيوية جعلت كلا من موسكو وبكين تستشعران ولأول مرة في تاريخهما أنهما تواجهان خطرا وتهديدا مشتركا، وهو الشعور الذي لم يكن موجودا لديهما في زمن الحرب الباردة رغم أنهما كانتا تتزعمان العالم الشيوعي،

ولكن كان بينهما من الخلافات ما حال دون تقاربهما وتعاونهما في المجالات الأمنية والعسكرية، هذا إلى جانب انفتاح العلاقات الأميركية الصينية في السبعينات والتي وصفها البعض بالاحتواء الأميركي للصين وتجنيبها في الصراع مع الاتحاد السوفييتي.

في يونيو عام 2001 تأسست منظمة شنغهاي للتعاون بمبادرة صينية روسية لتضم معهما أربع دول من وسط آسيا هي كازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان، ولم تكن لدى المنظمة التي تأسست لأغراض اقتصادية وإنسانية أية أهداف أمنية أو عسكرية،

خاصة وأنها تأسست قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر وفي ظل علاقات قوية تربط واشنطن ببعض أعضائها مثل أوزبكستان التي تحولت لحليف قوي لواشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأيضا قيرغيزيا، ولهذا يمكن القول إن منظمة شنغهاي لم يكن لها فاعلية ووجود حقيقي في العامين الأولين من تأسيسها،

ولكن مع تطورات الأحداث على الساحة الدولية بعد 11سبتمبر وظهور نوايا واشنطن في توطيد وجودها العسكري في منطقة وسط آسيا استشعرت روسيا والصين الخطر والتهديد من وجود القواعد الأميركية بالقرب من حدودهما في أوزبكستان وقيرغيزيا،

وبدأ الحديث يدور داخل منظمة شنغهاي حول ضرورة التعاون الأمني والعسكري بين أعضائها، وكانت موسكو الداعية لهذا الأمر الذي لم يلق حماسا وقبولا من باقي أعضاء المنظمة الذين تربطهم بواشنطن علاقات وطيدة ولا حتى من الصين التي كانت تخشى إثارة واشنطن والغرب ضدها

مما يضر مصالحها الاقتصادية، لكن موسكو لم تفقد الأمل وانتظرت حتى جاءت اللحظة المناسبة في مايو عام 2005 عندما وقعت الاضطرابات في مدينة إنديجان في أوزبكستان والتي استهدفت تغيير نظام حكم الرئيس إسلام كريموف هناك وهو أكبر حليف لواشنطن، وتبين لكريموف أن أصدقاءه الأميركيين كانوا وراء تدبير الانقلاب ضده،

خاصة وأن واشنطن أدانت بشدة تعامل نظام كريموف بوحشية مع المتظاهرين ضده، وطالبت بإجراء تحقيق دولي، الأمر الذي أشعل غضب كريموف ليقرر طرد القاعدة العسكرية الأميركية من أراضي بلاده، وكانت هذه نقطة البداية للتعاون الأمني في منظمة شنغهاى، حيث استغلت موسكو الفرصة لتوطد تعاونها الأمني مع أوزبكستان ونجحت في جعل منظمة شنغهاي تستصدر قرارها في قمتها عام 2005 بطرد القواعد الأميركية من أراضي الدول الأعضاء فيها.

تطورات الأحداث وزيادة التخوفات من التواجد العسكري الأميركي في وسط آسيا جعل الصين تتحمس أيضاً للتعاون الأمني والعسكري مع روسيا في إطار منظمة شنغهاي، وشهد شهر أغسطس عام 2005 أول مناورات عسكرية مشتركة في تاريخ الدولتين الكبيرتين روسيا والصين، وهو الحدث الذي أثار قلقا وتوترا كبيرين في الغرب، خاصة لدى دول حلف الناتو وواشنطن التي نجحت بصعوبة كبيرة طيلة أكثر من نصف قرن في الحيلولة دون التقارب العسكري بين موسكو وبكين.

الآن وبعد ست سنوات على تأسيس منظمة شنغهاي، ورغم التصريحات المتكررة دائما للمسؤولين السياسيين في روسيا والصين أن المنظمة ليست تحالفا عسكريا ضد أية جهة أجنبية وليست لها أنشطة عسكرية وأمنية تستهدف دولا أخرى،

إلا أن الواقع على الأرض يثبت عكس ذلك تماما، وخاصة مع المناورات العسكرية المشتركة الأخيرة التي أجرتها الدول الأعضاء في المنظمة على الأراضي الروسية في الأسبوع الماضي أثناء انعقاد قمة شنغهاي في العاصمة القيرغيزية بشكيك في منتصف أغسطس الجاري،

هذه المناورات التي شاركت فيها قوات عسكرية قوامها نحو ثمانية آلاف فرد وألف وخمسمئة آلية عسكرية من الدول الست الأعضاء في المنظمة، وقد طلبت واشنطن حضور مراقبين أميركيين لهذه المناورات لكنها فوجئت برفض موسكو وبكين لطلبها،

الأمر الذي جعل الغرب جميعه يتشكك في نوايا روسيا والصين من وراء منظمة شنغهاي التي لم تقم حتى الآن بأية أنشطة ملحوظة في المجالات الاقتصادية والإنسانية بينما ظهر بوضوح وفاعلية كبيرة التعاون العسكري المشترك بين أعضائها وأصبح هو مفاجأة المنظمة في قمتها السادسة.

ولكن هل هناك بالفعل نية مبيتة لدى موسكو وبكين لتكوين حلف عسكري إقليمي مشترك في إطار منظمة شنغهاي ؟ ربما يكون الوقت مازال مبكرا للإجابة عن هذا السؤال، وإن كانت القيادة العسكرية الروسية قد أفصحت عن شيء من هذا القبيل أثناء انعقاد القمة الأخيرة في بشكيك،

حيث صرح رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة الروسية يورى باليوفسكي في كلمته التي ألقاها في الأسبوع الماضي في اجتماع رؤساء أركان جيوش الدول أعضاء المنظمة بمناسبة المناورات المشتركة بأنه قد آن الأوان لكي تهتم منظمة شنغهاي بشكل جاد بالسؤال الأمني المشترك لأعضائها في ظل التهديدات المتصاعدة على الساحتين الدولية والإقليمية، وبالقطع فإن باليوفسكي يقصد بالتهديدات حلف شمال الأطلسي والوجود الأميركي في المنطقة.

لقد رفضت شنغهاي طلب إيران للانضمام لعضويتها واكتفت ببقائها كعضو مراقب مع الهند وباكستان ومنغوليا وأية دولة أخرى ترغب في ذلك، ورفض عضوية إيران يشير إلى رغبة كل من روسيا والصين في بقاء منظمة شنغهاي مغلقة على الدول الست اللاتي تضمها وتربط بينها حدود مشتركة ومصالح وأهداف وأيضا مخاطر وتهديدات مشتركة،

حيث تشكل الدول الست جغرافياً خطاً فاصلاً بين الغرب وشرق آسيا كله من الشمال حيث روسيا إلى الجنوب حيث الصين وبينهما الدول الأربع الأخرى، وهو الشكل المناسب في رأي العسكريين الروس لتكوين تحالف عسكري قوي ومتماسك، ودخول دول أخرى بعيدة جغرافيا سيضعف التنسيق العسكري،

وخاصة إذا كانت دولا صاحبة مشاكل كبيرة مع الغرب وواشنطن مثل إيران أو دولا كبيرة صاحبة مصالح خاصة مع الغرب وكثافة سكانية كبيرة مثل الهند، وبالقطع فإن الغرب وواشنطن لن يتحملا وجود تنظيم إقليمي ذي طابع عسكري يضم أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية،

مما سيدفعهم لتكثيف جهودهم لإفشاله، ولهذا لم توافق موسكو وبكين على انضمام أعضاء جدد للمنظمة وصرحتا بهذا علنا في القمة الأخيرة، وهذا في حد ذاته يؤكد وجود نوايا خفية لدى الدولتين لتكوين منظمة أشبه بتحالف عسكري متماسك وقوي يصعب اختراقه في المستقبل.

جامعة سيبيريا