أعلن كارل روف، كبير مستشاري الرئيس الأميركي والملقب بـ «عقل جورج بوش» عن تقديم استقالته مؤخراً. وسيعكف المداهنون والمتحذلقون في واشنطن في سرد إنجازات الرجل الذي يصفونه بأنه مهندس انتصارات بوش الانتخابية. حسنا.
فلنتوقف قليلا عن الإشادات والمديح. ما هو الشيء الذي يجب تذكره عن كارل روف؟ لقد كان روف العقل المفكر لأسوأ إدارة أميركية جاءت على مدار التاريخ. إن جورج بوش لم يكن قط مهتما بالتاريخ ولا بالسياسات الخارجية أو الداخلية للبلاد. فقد كان مهتما بالسياسة.
ووجد في كارل روف ضالته، حيث عثر في شخصه على الرجل الذي يضمن له أن تكون للحسابات السياسية الأولوية على الاعتبارات الأخلاقية والمصالح العليا للبلد. فعلى المستوى الداخلي، تصور روف أنه يمكنه تكوين غالبية حاكمة أعضائها من المحافظين، محاولا الربط بين عاملي المال والواجب الديني.
وتسببت سياسته بشكل مباشر في تكوين كونغرس وإدارة أميركية هما الأكثر فسادا في التاريخ الأميركي وفي صياغة سياسة اقتصادية مكنت القلة الثرية من الحصول على جميع مكتسبات الاقتصاد الأميركي وفي ارتفاع مستويات الجريمة في قطاع الشركات بشكل لم تشهده أميركا من قبل ناهيك عن الظلم الاجتماعي وعدم المساواة بين أطياف الشعب الأميركي المختلفة.
وانتهت حساباته إلى إلحاق الخزي والعار بحركة المحافظين ويغادر هو حاليا البيت الأبيض تاركا وراءه رئيسا يعاني عزلة وتدهورا في شعبيته بسبب سياسته الفاشلة. في عهد روف كانت الحسابات السياسية هي الشغل الشاغل في واشنطن. لقد تخلى بوش عن الإصلاحات التي وعد بها إبان حملته الانتخابية وحنث بعهده الخاص بتوفير تمويل كاف للمدارس
وسمح للموظفين الذين قام هو بتعيينهم بسوء إدارة أمور الشعب، وعلى الساحة الخارجية، وقف روف مع المحافظين الجدد الذين كانوا يتصورون أن أميركا قوية عسكريا إلى درجة تمكنها من فرض الواقع الذي تريده. لقد تم استغلال حربي العراق وأفغانستان من أجل تحويل الرئيس إلى«القائد العسكري الأعلى». وأدت محاولات التضليل الإعلامي وفرض الإيديولوجيات الخاطئة إلى تبني أميركا أسوأ سياسة خارجية في تاريخها.
أما الأسوأ من ذلك كله فقد كان استغلال روف لهجمات الحادي عشر من سبتمبر لأغراض سياسية حزبية. فقد عمل بكل ما أوتي من قوة على خرق القوانين والدستور من أجل إظهار الرئيس في موقف الطرف القوي والديمقراطيين في موقف الطرف الضعيف بشأن قضايا الأمن القومي للبلاد. ودفع روف الرئيس إلى اتهام الديمقراطيين بالضعف حيال قضايا الأمن لأنهم حاولوا حماية الحقوق الأساسية للعمال.
واستغل أحداث الحادي عشر من سبتمبر والموقف من الحرب كأداة حزبية أثناء مؤتمر الجمهوريين في 2004 وأثناء حملة إعادة انتخاب بوش. فقد ساعد على إعادة انتخاب بوش عن طريق تقسيم الأمة الأميركية وإفساد سياستها. فالرئيس الذي من المفترض منه أن يجمع بين أوصال الأمة انتهت به الحال وهو يعمل بكل قوة على تفريقها من أجل الفوز بفترة رئاسة ثانية.
وكعادته، وبعد إعصار كاترينا وفضيحة نيو أورليانز، عين الرئيس بشكل متأخر وبعد فوات الأوان مستشارا خاصا ينوب عنه في إدارة الأزمة التي خلفها الإعصار وتسكين المشردين والفقراء الذين كان معظمهم من الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي، حيث تم تكليف روف بتوزيعهم بين 50 ولاية مع عدم طرح خطة لإعادتهم إلى أماكنهم الأصلية.
لقد وضعت الإدارة الأميركية ترتيبات تسهل على المكسيكيين المقيمين في البلاد التصويت في الانتخابات المكسيكية وترتيبات لتمكين العراقيين من الاشتراك في الانتخابات العراقية، في حين لم تنشئ مقرا واحدا لتسهيل اشتراك المشردين بسبب فيضان كاترينا في العملية الانتخابية.
لقد نجح روف في استغلال مأساة نيو أورليانز في تحقيق أغراضه السياسية الملتوية. لقد مضى بوش وروف في طريق واحد وكانت النتيجة كارثية: العراق، كاترينا، محاولة خصخصة هيئة الضمان الاجتماعي، حرمان البلاد من الاستثمارات الحية،
سرقة ونهب الملايين في صورة عقود في العراق، فشل في التعامل مع كارثة التغيير المناخي، الاعتماد المفرط على الطاقة المستوردة من الخارج، تصاعد عجز الميزان التجاري إلى مستويات قياسية، تضخم ظاهرة الظلم الاجتماعي وعدم العدالة، اعتلال النظام الصحي وارتفاع جنوني في تكاليف الدراسة الجامعية. والقائمة تطول.
لقد نجح روف في وظيفته. لقد نجح في سرقة انتخابات الرئاسة في عامي 2000 و2004، وساعد على تمكين الجمهوريين من السلطة في واشنطن. لقد مضى هو ورئيسه في طريق واحد ولكنهما فشلا، ونحن من سيتحمل تكلفة هذا الفشل لمدة عقود مقبلة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»