أثناء المناوشات والاحتكاكات المتقطعة بين حركتي فتح وحماس، السابقة لأيام الغضب والدم المروعة منتصف يونيو الماضي في غزة، كانت حماس تصف قطاعاً من فتح بالانقلابيين،الساعين للإطاحة بحكومتها بالتواطؤ مع إسرائيل ومحازبيها الدوليين.

في الوقت ذاته كانت فتح ترمي جناحا من حماس بالدموية والظلامية والجهل بمقتضيات الواقع والقطيعة عن متغيرات العصر والسياسة العملية. بعد أحداث غزة، أصبحنا أمام مشهد يكاد يكون معاكسا تماما من حيث لغة التلاسن والاتهامات المتبادلة بين هذين القطبين..

مشهد ظهر فيه القطبان وكأنهما تبادلا المواقع واستعارا من بعضهما الأدوار والمصطلحات ومفردات التلاوم والتدافع. فعند فتح صارت حماس انقلابية علاوة على كونها من قبل دموية. فيما أضحى خطاب حماس يؤكد على تأسرل بعض الفتحاويين وتصهينهم وتأمركهم وخرقهم للشرعية الدستورية واختطافهم القوانين وفبركة المراسيم طبقاً لمعايير حزبية فئوية وليست وطنية عامة.

المراد أن مصادمات غزة المسلحة وتوابعها أطلقت عنان معركة فلسطينية رديفة أو ظهيرة عدتها الإعلام والدعاية والتلاعب بالمفاهيم والتعبئة الفكرية المكثفة وتبادل نشر الغسيل القذر والسير الذاتية والروايات الفضائحية وكشف المستور. وهدفها استقطاب الرأي العام الداخلي والتعاطف الخارجي وتبرير السياسات والمواقف التي يصعب تسويقها دون إفراط في ليّ المعاني والمراءاة .

في هذه الأجواء المشحونة، لم يتوقف القطبان الفلسطينيان عند حد أو رادع وتجاوز كل ألوان الخطوط إلى ما يضر قضية شعبهما الوطنية التي يزعمان الذود عنها. وبصفة عامة أفصح خطاباهما عن قدر كبير من البلاهة السياسية وربما الأخلاقية،

هبوطا إلى درك تعريض هذه القضية النبيلة لتقولات كل من هب ودب في جهات الدنيا، وبات مثلهما كمثل محاميين خائبين أضاعا بمشاكساتهما لبعضهما وتعارض دفوعهما وحججهما قضية موكلهما على عدالتها، وهما يظنان أنهما يحسنان صنعاً !.

لقد أوغل الفتحاويون والحمساويون فى التنكيل ببعضهم البعض ومحاولة كل منهم إثبات جدارته وصدقيتة وبعد نظرة مقابل الطرف الآخر وعلى حسابه، وفي هذه الغضون، لم يفطن هؤلاء وهؤلاء الى كثير من ضوابط وشعائر المصلحة الوطنية العليا التي يفترض ان تعلو عن وتسمو على اية مكاسب حزبية او فئوية ضيقة.

وربما لاحظ المتابع غلبة الطابع العدائي بينهم على نحو يؤدي الى الالتباس حول المقصود بهذا العداء هل هو فتح أم حماس أم إسرائيل وحلفاؤها ؟ . بين يدي مناظرات فتح وحماس ومن والاهما، انتهكت حرمات التمييز بين التنافس والخصومة السياسية والإيديولوجية مع شركاء الدم والمصير والنظام والقضية، وبين العداء والتكاسر مع معسكر المشروع الصهيوني.

حدث ذلك الى حد تجرأ فيه بعض المتناظرين او تواقحوا بالقول إن حربهم الأساسية أضحت مع هؤلاء الشركاء فيما وضعوا عداوتهم لإسرائيل في موقع تال!. ومن دواعي الأسى أن المرء ليس بحاجة إلى مثل هذه الشهادة لأن ظاهر حال العلاقة بين القطبين، حيث الإفراط والتطرف في القول والفعل تجاه بعضهما، يغني عن السؤال.

بمعزل نسبي عن المقاربة العاطفية لهذه العلاقة، لنا ان نلحظ مدى صدقية بعض الفروض والتوقعات والظواهر المرتبطة بخبرات الحروب الأهلية وانطباقها على الحالة الفلسطينية الراهنة. من ذلك مثلاً ودون حصر أولوية الانتماء الحزبي على الانتماء الوطني في سلوك الأفراد الناشطين،

بروز الهويات الارثية وإطلالها بقوة في المشهد الاجتماعي السياسي وزيادة الطلب عليها للحماية والأمن الذاتي، شحوب وربما زوال قيم التسامح والاعتدال والوسطية في المواقف والاستماع الي الرأي الآخر، استدعاء المدد والعون من قوى خارجية على صلة بالقضايا الداخلية وزيادة تغلغل هذه الأخيرة في صناعة التوجهات والقرارات الوطنية، تواري التكييف العقلاني للأحداث وصولاً إلى اتخاذ مواقف متناقضة مشوبة بالتعصب وعدم التبصر.

من المؤشرات الموحية بالنسبة لهذه الظاهرة الأخيرة وتمكنها من رقبة الحالة الفلسطينية:

أولاً، ان الرئيس محمود عباس يناقض سلوكه ولا يبدو منطقيا عندما يطالب باعتذار حماس عن تصرفها في غزة وإعادة الوضع هناك الى ما كان عليه قبل «الانقلاب» على السلطة، بينما لا يقيم شروطا تذكر للتلاقي والتحاور مع رئيس الوزراء المقال.. هذا مع ان إسماعيل هنية وأركان قيادة حماس هم في غزة والنظام الفلسطيني أقوى مكانة وأعز رسوخا من إيهود أولمرت وحكومته في تل أبيب وبين الإسرائيليين .

ثانياً، ان حماس تبدو مشوشة الخطاب والمعالجة حينما تعترف بالرئيس الفلسطيني ومقامه السيادي الوطني وشرعيته الانتخابية وترضى عنه مفاوضا لإسرائيل والمعنيين بالملف الوطني الخارجي وتعرض الحوار غير المشروط معه من ناحية، فيما هي تتهمه بالانحياز الى فتح واستشارة عصبة من الموسومين بالتواطؤ ضدها والعمل بوحي من واشنطن وتل أبيب وبالدكتاتورية وبأن قرارة عموماً ليس من رأسه ولا من رأس المصلحة الفلسطينية ! ثم إن الجميع فتح وحماس والآخرين الأقل وزناً يتجملون.

ثالثاً، حين يدعون بأنهم سدنة هذه المصلحة وحراسها الأمناء وفقاً لأجندة وطنية خالصة وقرار لا ريب في استقلاله وحريته.. ذلك أن زعماً كهذا يجافى منطق العلاقات بين هذه القوى وبين المنغمسين عربيا وإقليمياً ودولياً في معمعة الصراع على أرض فلسطين وجوارها، وهو يجافي أيضاً حقيقة تعززها الشواهد الدامغة تتعلق بالدعم المادي والمعنوي الذي يصل الى أحشاء كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني من مصادر خارجية وإن لأغراض متعددة وربما متباينة.

الشاهد في هذا الإطار أن قوة فلسطينية لا تملك إقامة الحجة على نظيراتها الأخريات باعتبارهم مرتبطين بالعون الخارجي فيما هي منزهة عن هذه الفعلة.وبالطبع فانه من السخافة بمكان كبير أن تنحو إسرائيل ذاتها الى إدانة القوى الفلسطينية بالارتزاق الخارجي، وهي الدولة التي تتبجح ليل نهار بحجم الدعم الملياري الذي يصلها غير ممنوع ولا مقطوع من اليهودية العالمية والشريك الأميركي وغيرهما في هذا العالم الفسيح !.

يحسب بعض غلاة فتح وحماس أن أقصر طريق لتجميل الذات هو الإصرار على تشويه الآخر وتجريسه ورميه بما فيه وبما ليس فيه.. وهؤلاء بصنيعهم هذا إنما يجعلون من المنافس الوطني عدواً مبيناً، ويقيمون بينه وبينهم حجباً وجدرانا توهنه وتوهنهم معه. تقديرنا أنه ما هكذا تورد الخلافات الوطنية.

فأعمق هذه الخلافات شأنا ينبغي أن يخضع لضوابط ومحاذير تقي المصالح والصورة الوطنية العليا من الهوان على الذات وعلى الناس.إذا لم يكظم الفتحاويون والحمساويون غضبهم وغيظهم فسوف يصيرون كالتي نقضت غزلها بعد قوة بسبب العته. يقول بعض الفلاسفة بأنه حتى الصدفة والفوضى لهما قوانين وضوابط، فأين ضوابط الفلتان الفلسطيني؟!

كاتب وأكاديمي فلسطيني