عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية منذ حوالي العام ملعباً رياضياً في غزة، زار يومها رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية المكان واطلع على الأضرار الكبيرة خصوصاً الحفرة الضخمة وسط الملعب ثم قدم عرضاً جميلاً بالكرة أظهر فيه براعته وكفاءته وكاد أن ينافس فيها اللاعب البرازيلي رونالدينيو.

ومنذ أسابيع قليلة وبعد إقالته على خلفية أحداث غزة المؤسفة قام هنية بزيارة تفقدية لسواحل وشاطئ غزة حيث شارك فريقاً بكرة الطائرة، وقدم أيضاً عرضاً جميلاً في هذا المضمار أبهر الشباب المحيطين به وهذا يعني بالتأكيد أن السيد هنية كان رياضياً جيداً، وكان ملماً بكرة القدم أكثر من إلمامه بكرة الطائرة بدليل مهارته العالية في ترقيص الكرة وهو بثيابه الرسمية لمدة طويلة.

وهنية الرياضي وهنية الخطيب على المنبر الذي يتحدث بإصرار عن مواصلة الكفاح ولو لم يبق سوى الزعتر، هو ذاته هنية الذي يمنع من الدخول على حاجز رفح بعد جولة دولية سياسية ويقف على رصيف مقابل ككل الفلسطينيين العاديين تملأ وجهه البسمة المعتادة،

هو ذاته هنية الإنسان الذي يتجاوز الخلافات السياسية مهما كانت عميقة ومتجذرة حيث لم تمنعه من أن يجري اتصالاً هاتفياً للاطمئنان على صحة مسؤول كبير في مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس رغم القطيعة.

فقد ذكر مكتب هنية أنه أجرى اتصالاً هاتفياً بزوجة السيد نبيل أبو ردينة للاطمئنان على حالته الصحية عقب العملية الجراحية التي أجراها في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية، وقال التصريح الذي يعد الأول من نوعه بعد أحداث غزة إن زوجة أبو ردينة شكرت هنية على اتصاله.

لا شك أن هذه اللمسات البسيطة التي تندمج مع عادات الناس اليومية لها مفعول كيميائي خارق في الأوساط الشعبية، خصوصاً التخلي عن الرسميات الثقيلة وروتين المكاتب والسكرتير والحراسة ومرافقة العامة بسطاء الناس في المسجد والشارع والسوق والمستشفى، هذه الصفات والخصال الجميلة هي التي جعلت من أبو عمار على سبيل المثال رمزاً فلسطينياً بامتياز لحلفائه وخصومه على السواء،

لأنه لم يكن هاجسه الأساسي آخر صيحات البذلات والكرافتات المصنوعة والمبتكرة في بيوت الموضة العالمية في إيطاليا أو فرنسا أو في أميركا، فقد كان رجلاً بسيطاً وعادياً بشكله وثيابه، وبقي متمسكاً بالكوفية الفلسطينية حتى آخر لحظة في حياته وهو الرجل القادر على أن يلبس أجمل ما ابتكره عتاة الموضة في العالم وأشهرهم.

منذ أن تسلم إسماعيل هنية رئاسة الحكومة بعد انتخابات شرعية شهد العالم على نظافتها وعلى نزاهتها، تعرض هو شخصياً ومعه حكومته ومن خلفه الشعب الفلسطيني لأكبر عملية ضغط وحصار في التاريخ المعاصر، وذلك بهدف إفشاله وإفشال تجربة حماس الأولى في السلطة،

وقد مارست إسرائيل بدعم دولي واضح عقاباً جماعياً للشعب الفلسطيني على هذا الاختيار الديمقراطي، ولم يتركوا وسيلة قذرة إلا وفعلوها من أجل تركيع هذا الشعب المقاوم، وكان آخرها قطع الكهرباء وإغراق غزة تحت ظلام دامس بعد توقف شركة الكهرباء عن العمل وسط اتهامات بتحميل المسؤولية بين الحكومة وحماس.

وذلك في عملية جائرة لإعطاء هذا الاعتداء الإنساني الصارخ طابعاً داخلياً، مع العلم هذا الظلام المفروض عمداً هو من ضمن مسلسل الإجراءات الانتقامية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بحجة استمرار حماس في إدارة شؤون هذه المنطقة.

ولم نشاهده السيد اسماعيل هنية كالمعتاد يذهب لتفقّد شركة الكهرباء الوحيدة التي تغذي غزة بالطاقة الكهربائية، معتمراً قبعة المهندس التقني، ولكن الواضح أن هذه الضغوط المدبرة ستتصاعد.

وبين الشائعات التي أطلقتها إسرائيل عن فتح المعبر الذي يتم من خلاله إدخال الوقود لاستئناف عمل المحطة، اندلعت حرب كلامية بين مسؤولين في رام الله اتهموا القوة التنفيذية باستهلاك كمية كبيرة من وقود الشركة، وبين مسؤولين من حماس نفوا هذه الاتهامات وحملوا المسؤولية في هذه الأزمة لمسؤولين في حكومة سلام فياض بالعمل على محاصرة الشعب الفلسطيني في القطاع،

وبين هذا وذاك غرقت غزة مؤخراً في الظلام الدامس لغايات أصبحت معلومة في وقت أعلن الاتحاد الأوروبي وقف هباته المالية لدعم الطاقة الكهربائية وهو أن حماس ترفض شروطاً تعجيزية في الرباعية الدولية. فهل تنفعه رحابة بسمة إسماعيل هنية في حل الأمور؟ لننتظر؟