كتبتُ قبل سنتين تقريبا مقالة عن سوء معاملة بعض الموظفين -خصوصا في الدوائر والمؤسسات الحكومية- للمراجعين، واليوم.. وبعد مرور سنتين حدثت خلالهما الكثير من الأحداث التي تزيد بلادنا جمالا وتطورا، وتجعلها -كما كانت وستبقى دائما- مهوى فؤاد القريب والبعيد، لا تزال تلك المقالة متوافقة بحرفيتها.
وبجميع تفاصيلها، مع المعاناة التي يعيشها المراجعون في الدوائر الحكومية، لأن سيف الروتين لا يزال مسلّطا على رقاب المراجعين، ولا يستطيع الفكاك من حدّه إلا من يمتلك علاقات «طيبة» مع فلان أو علان من المسؤولين داخل هذه الدائرة أو تلك المؤسسة، أما من لا يعرف سوى الخطوات التي تجب عليه معرفتها كي ينهي معاملته بطريقة قانونية سليمة فإنه كثيرا ما يعود أدراجه بخفي حنين في المرة الأولى، وقد ينهي معاملته في المراجعة الثانية، أو الثالثة.. هذا أمر متوقف على الحالة النفسية والوضع المزاجي للموظف الذي يشاء حظ المراجع أن يقف أمام شباكه ويمدّ إليه بأوراقه.
وسأبدأ أولا بضرب مثال من واقع مشكلة تعرضت لها منذ فترة مع العاملة التي تعمل في منزلي، وبعيدا عن التفاصيل الكثيرة التي حدثت في ذلك اليوم، والتي سأتجاوزها لأنها مضحكة مبكية، وتحتاج إلى صفحات، فإن المهم هو سلوك الجهات المسؤولة تجاه موضوع كهذا، فأنا واحدة من هذا الشعب، أعيش مع تلك العاملة في منزل يبعد عن منزل عائلتي حوالي (140كم).
ووقعت في موقف أحتاج فيه إلى خدمة من هم في خدمة الشعب - لإخراج تلك العاملة من المنزل- وقد حصلت على المساعدة لكن بصعوبة شديدة، وبعد عدد هائل من الاتصالات، واستغرق هذا الأمر اليسير في مقاييس العقل والمنطق، والعسير في مقاييس الواقع تسع ساعات بتمامها وكمالها، ما بين انتقال من جهة إلى أخرى، وهذا الانتقال مقترن بإجراءات طويلة، وأوراق كثيرة، وتوقيع من هنا، وختم من هنا، على نحو يفقد الحليم صبره، فكيف بنا أبناء هذا العصر الذي باتت العجلة سمته الرئيسية!
وكثيرا ما يتوقف إجراء كان يسير بسلاسة لأنه مبني على إجراء سابق، أي على ورقة سابقة، فيرفض الموظف إتمام الورقة التي بيده وتسليمها لي، لأنه لا يتحمل مسؤولية إعطائي تلك الورقة دون أن يصله أمر من الجهة الفلانية، وكلما راجعت جهة طلبت مني أن أحضر لها أولا ورقة أخرى أو ختما من جهة أخرى، وهكذا، تسير المعاملات في دوائر مغلقة، يدور فيها المراجع حول نفسه، ولا ينقصه سوى أن يردد بينه وبين نفسه (الثعلب فات فات)!
وليت الأمر يتوقف عند الروتين الذي ينتظم وفق قوانين ولوائح، ولا بد أن يأتي في أي وقت يحدده الموظف! وقد تذهب تصرفات بعض الموظفين أحيانا إلى حدود بعيدة تماما عن المعقول والمقبول، فيحكمون على المراجع أحكاما جائرة دون أن يبالوا بصحته، أو بوقته، أو بأعصابه..إلخ أذكر أن زميلة أخبرتني أنها راجعت مرة دائرة حكومية.
وعانت فيها وهي تنتقل من موظف إلى آخر، حتى وصلت إلى ما ظنّت أنه نهاية المطاف، وأنها أنهت المعاملة، إلا أن الموظف الأخير أعطاها الورقة وطلب منها الانتظار، ولكن الانتظار طال، والناس تأتي وتذهب، ولا أحد ينادي عليها ولا يسأل عنها، فذهبت لتستفسر عن سبب انتظارها، فلم تجد الموظف اللبيب الذي طلب منها ذلك، ووجدت آخر غيره، فقدمت له الأوراق التي معها وسألته، لماذا عليها أن تنتظر، فإذا به يتفاجأ ويعيد السؤال عليها: لماذا تنتظرين؟ ورقتك جاهزة يمكنك أن تذهبي.. لا داعي لانتظارك هنا!!
هكذا .. بكل بساطة، يطلب منك أحدهم أن تنتظر، ربما كي ينهي مكالمة خاصة، أو يكمل (دردشته) مع زميله في المكتب، أو غير ذلك من طرائقهم الكثيرة في تزجية الوقت، دون أن يلقي نظرة جادّة على ورقتك، ليخبرك إن كنت قد أنهيت كل شيء وتستطيع الانصراف.
أو أن عليك أن تبقى ويشرح لك السبب، وكأن وقت الناس لعبة يحركونها كيف يشاؤون! ولا تقف حدود هذا الاستهتار الوظيفي عند صغار الموظفين، بل المشكلة فيمن يقوم مقام القدوة لهؤلاء الذين لا يزالون في بدايات عملهم الوظيفي، لأن من طبيعة الإنسان أن يتأثر بمن هو أكبر منه، سنا، أو مقاما، وإذا كان رب البيت بالدف مولعا، فكيف سنعجب من سلوك بقية سكانه؟
ذكر لي أحد الأشخاص أنه انتقل من إمارته إلى إمارة أخرى كي ينهي معاملة مهمة، تترتب عليها الكثير من الأمور المتعلقة به وبعائلته، وقد ذاق الأمرّيْن في الدائرة التي يجب أن يراجعها لإنهاء المعاملة، فكل موظف يحيله إلى موظف آخر، من أجل ورقة، أو توقيع، أو ختم، إلا أنه وصل عند أحد الموظفين فأخبره أن ورقته لم تصل عنده بعد، وأن عليه أن يراجع «المسؤول» الفلاني كي يختصر الوقت لأن الورقة في مكتبه، فذهب إلى ذلك (المسؤول)
ولفت انتباهه نظافة مكتبه من كل شيء إلا من كوب قهوة موضوع على سطحه، وأخبره بطلبه «فأمره» أن يحضر في اليوم التالي لأنه «مشغول!»®. اضطر الشخص لأن يشرح له أنه من إمارة أخرى ولا يستطيع العودة في اليوم التالي، فكان رد «المسؤول» هو: (من إمارة ثانية أو من آخر الدنيا! قلت لك ارجع غدا!!).
الذي حدث هو أن الشخص خرج من عند هذا «المسؤول» الذي يقبع في طابق عالٍ جدا في ذلك المبنى، وذهب للموظف نفسه ليخبره برد «المسؤول»، فوجد ورقته عند الموظف - الذي يبدو أنه لا يعرف عمله، وبدا وكأنه أرسله ليتعرف على طبيعة «المسؤول» عندهم- المهم أنه أخذ ورقته ومضى، بعد أن قضى يوما كاملا من أجل معاملة استهلكت من صحته وأعصابه أكثر مما تستحق.
وليت الأمور تقف عند الموظفين، أو الإداريين الذين يغلب على علاقاتهم بالمراجعين الطابع الرسمي، بل إن هذا السلوك يمارسه حتى أصحاب أكثر المهن ارتباطا بالمراجعين، الذين يجب أن يحافظوا على علاقات طيبة ومتينة معهم حتى يحصلوا على ثقتهم، كالمحامين والأطباء وغيرهم.
أذكر أن شخصا أخبرني أنه يتلقى علاجا في مستشفى حكومي له سمعة طيبة، وفي إحدى المراجعات صرف له طبيبه الدواء، ولكن موظف الصيدلية رفض إعطاءه إياه دون أن يشرح له السبب، وتعامل معه بتجاهل وعدم احترام، فذهب لكي يخبر طبيبه بموقف الصيدلي فلم يجده.
ووجد طبيبا آخر، أراد أن يخبره بسلوك الصيدلي، فلم يعطه الفرصة ليتكلم وقال له بأسلوب فظ وخال من الاحترام: إن الموضوع أساسا خارج نطاق اختصاصه، فأوضح له «أنه يحتاج إلى الدواء والصيدلي..» ولكن الطبيب يقاطعه ويقول: «أنا غير مسؤول عما تقول» ومضى تاركا المراجع.. المريض.. واقفا في مستشفى حكومي لا يجد طبيبا يسمعه، أو صيدليا يحترمه!!
أخشى أنني إذا قلت أمام شخص من خارج الإمارات أن هذه المواقف تحدث هنا لن يصدقني، لأن التطور الشكلي يوحي بأننا نكاد نبلغ تخوم القمر علوا وارتفاعا، بل هو كذلك واقعنا، ولكن على المستوى الشكلي فقط الذي يسير بسرعة الضوء، أما الجوهر، وما يتعلق بالإنسان من سلوك ومعاملة واحترام وانضباط وما ينتظم في هذه السلسلة فيبدو أنه يتحرك بسرعة السلحفاة.
لهذا يجب أن نتخذ خطوات عملية فعالة تحقق قدرا من التوازن بين هذين المستويين، ولا أعتقد أنني أطالب بالمستحيل إذا اقترحت تنظيم دورات تدريبية خاصة بالسلوك المهني، لجميع الموظفين، مهما اختلفت درجاتهم الوظيفية، ومهما ارتفعت درجاتهم العلمية، فأداء الموظفين لواجبهم تجاه المراجعين كاملا غير منقوص، وعلى أفضل وجه، أمر لا جدال فيه، والاحترام المتبادل بين الموظفين والمراجعين واجب على الطرفين ولا عذر للمفرط فيه، وهو أبسط حق من حقوق الإنسان.. سواء كان مواطنا أو مقيما.
جامعة الامارات