«عقل بوش». هذه هي العبارة التي روّج لها الصحافي الأميركي جيمس مور ليصف بها «كارل روف» أقرب مساعدي الرئيس بوش. من ناحية أخرى، أصدر الصحافي الأميركي الشهير «بوب ودوارد» أكثر من كتب عن الرئيس الأميركي وأزاح الستار عن مراحل التطور التي نقلت السيد بوش - الابن من مجرد مدير فريق لألعاب البيسبول في ولاية تكساس البترولية الشهيرة، إلى حاكم الولاية ذاتها.

ومن ثم إلى مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة بأسرها. كان في هذا الترشيح مغامرة أقرب إلى المخاطرة وخاصة في ضوء منجزات إدارة كلينتون السابقة التي أمضت معظم سنوات التسعينات في رئاسة البيت الأبيض.. وكان على رأسها رئيس مشهود له بسعة الثقافة وموهبة التواصل الإعلامي.

صحيح أن السيد كلينتون تعرض لهجوم كاسح من جانب خصومه ومنتقديه بسبب قضايا تمس شيم السلوك، إلا أن استطلاعات الرأي العام ظلت تنحاز له بأغلبية ملحوظة، وأحيانا مرموقة، خاصة وقد ترك بعد ولايته الثانية - الأخيرة حسب الدستور الأميركي - فائضا اقتصاديا في الميزانية القومية يقدر بعشرات المليارات.

وما كان للتحولات الجذرية - الإيجابية التي طرأت على حياة ومهنة السيد بوش - الابن لتحدث سوى في ظل وجود «كارل روف» الذي ربطته صداقة دامت سنوات طويلة مع جورج بوش - الشاب منذ أيام تكساس، وظل يؤدي الدور الذي اصطلحت عليه علوم السياسة بأنه «القوة الكامنة من وراء العرش».

وأحيانا بأنه «صانع الملوك» بمعنى أنه العقل القادر على التفكير والتخطيط والتدبير لشق مسار غاية في الطموح أوصل صديقه إلى المنصب رقم واحد في حكم البلاد. لا عجب إن أوجز الرئيس بوش كل هذه المعاني عندما وصف «كارل روف» بأنه «المهندس» وتحديدا «المهندس المعماري» في إيماءة بأنه العقل الذي يضع التصميم ثم يرسي الأساس وبعدها يتولى مسئولية البناء طبقة في إثر أخرى.

لهذا كانت أخبار استقالة - بمعنى رحيل - كارل روف عن مؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة مثار اهتمام وتعليقات وتحليلات شتى.. أولا بحكم الصلة الوطيدة والقديمة - على نحو ما ألمحنا - بالرئيس جورج بوش.. وثانيا لأن مراقبي ومحللي المشهد السياسي الأميركي.

وفي مقدمتهم من نصفهم بأنهم «دهاقنة الإعلام» في العاصمة الأميركية لم يقبضوا« - بمعنى لم يقتنعوا بالحجج التي ساقها السيد روف حين وقف أمام الصحفيين في منتصف أغسطس الحالي بحديقة البيت الأبيض يعلن أنه سوف يفارق الموقع الرئاسي.. ويستقيل من منصبه الحيوي ويعود إلى بيته «ليقضي وقتا أطول مع أسرته».. الخ. صحيح أن كارل روف بدا أمام عيون الميديا وأسماعها..

وقد تهدج صوته وقد استعجلته العبرات.. إلا أن السبب الذي ساقه في هذا الشأن لم يكد يقنع أحدا من حيث كونه سببا تقليديا ومتواتراً وطالما ترددت عباراته في محافل العاصمة الأميركية على لسان أكثر من سياسي وأكثر من برلماني وأكثر من مشتغل بالعمل العام.. ولدرجة أن يتساءل أهل الميديا: ترى ما الذي يدفع هذه الشخصية أو ذلك المسئول الكبير إلى أن «يكتشف»، فجأة أن له أسرة وأنها بحاجة إلى تواجده في البيت بقدر ما أنه بحاجة إلى أن يمضي وقتا أطول مع أفرادها؟

من هنا فالأجدر أن يطل المحلل السياسي على مفارقة السيد روف مواقع هندسة القرار ورسم السياسات في واشنطون من منظور مسلسل الاستقالات التي توالت في أقل من عام من جانب أركان هذا الموقع الأميركي بكل تأثيراته على مجريات السياسة وقضايا الشعوب في العالم.

ولعل أهم حلقات هذا المسلسل تتمثل في استقالة جورج تينيت مدير المخابرات المركزية، واستقالة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع.. قبل أن تأتي استقالة روف، أقرب المستشارين ومهندس النظام والعقل الرئاسي المفكر والمدبّر.

ومثل هذا المنظور يحيل إلى الصورة التقليدية الشائعة - صورة الفرار من سفينة، يوشك أن يغرقها طوفان المشاكل والأخطاء ودوامات الأحداث.. بعضهم يعمد إلى التفكير بأن السيد روف ما برح مطلوبا للإدلاء بالشهادة أمام لجان الكونجرس في إطار تحقيقات المساءلة البرلمانية بشأن قضايا تمس الأمن القومي ومنها كشْف شخصية مسئولين في جهاز الاستخبارات ومنها إقالة عدد من كبار أعضاء السلك القضائي على المستوى الاتحادي.

في هذا الصدد تُلمح «الواشنطن بوست» إلى ما يسميه معلقوها بأنه موجة حالات المغادرة التي تشير بدورها إلى مرحلة انتقال أوسع نطاقا في رئاسة بوش تشهد تحولا في رأي الصحيفة الأميركية العتيدة من التركيز على المشاكل الداخلية (الضرائب.. الضمان الاجتماعي.. الهجرة.. وما إليها) وهو ما كان يتعاطاه السيد روف ويركز عليه ويبرع في إدارة مجرياته، إلى تركيز مزيد من الاهتمام على قضايا السياسة الخارجية والدفاع.

من ناحيتها، وفي أكثر من تحليل نشرته على أيام متوالية، تودع «نيويورك تايمز» رحيل كارل روف عن البيت الأبيض بغير أسف أو تعاطف - حين تقول أنه غادر موقعه دون أي شعور بالتقصير في غمار النكسات التي أصيب بها مشروعه الأثير وهو ضمان الفوز بولاية جديدة للحزب الجمهوري وأركانه وأفكاره وطروحاته.. حيث انتهى المطاف إلى أن قمة هذا المشروع - وهو الرئيس بوش شخصيا - دخل مع الأشهر الأخيرة من ولايته في عداد أقل رؤساء البلاد حظا من تأييد الرأي العام على نحو ما أكدته أحدث الاستطلاعات الجماهيرية.

بل تُخصص الجريدة الكبيرة كامل مساحة بريدها لكي يكتب القراء آراءهم وتعليقاتهم التي لم تخرج عن التنديد بصورة أو بأخرى بسيرة كارل روف حتى تقول رسالة من قارئ: «أن أخطر ما فعله كارل روف هو أنه أضفى صفات الشياطين على الخصوم السياسيين.. بما لم يفعله أي مسئول آخر منذ عهد السناتور مكارثي» . من الطريف أيضا أن تنشر «التايمز» افتتاحيتها الرئيسية تحت عنوان..

«مستر روف يغادر المدينة». في تلميح من جانبها إلى أن المسئول الكبير - الذي سيحمل لقب «السابق» مع نهاية أغسطس الحالي - يأمل في أن مغادرته العاصمة قد تعفيه من المثول أمام تحقيقات البرلمان. ثم ها هي الصحيفة الكبيرة تحض البرلمان على ألا يتيح له ذلك.. لأن الرأي العام الأميركي.

كما تؤكد، يريد أن يعرف حقيقة ما كان يجري خلف الكواليس على مدار السنوات الست والنصف الأخيرة، خاصة وأن هذه المعرفة ستتم من خلال شهادة يدلي بها السيد روف وهو تحت طائلة اليمين التي لا بد وأن يقسمها طبقا للقانون أمام مسئولي الكونجرس.

من ناحيته، عمد كارل روف إلى الغمز من قناة خصومه السياسيين. وفي كل حال أبدى الخصوم الديمقراطيون ترحيبا بابتعاد كارل روف عن المشهد الرئاسي، وشرعت منابرهم الإعلامية في استعراض سنوات عمره الست والخمسين، ولم تنس الإشارة إلى أنه رغم كل مواهبه ومهاراته في حشد الأنصار وتجنيد المؤيدين فهو لم يتخرج من جامعة.. اللهم سوى جامعة الحياة في براري تكساس ومراعيها وملاعبها وطابعها الخاص الذي يجمع بين إنتاج النفط وبين وراثة تركة من الثقافة والأعراف الأسبانية التي تناهت إليها منذ أن كانت تحكم حكم المكسيك.

في كل حال.. فهناك من يرصد تباعد قيادات الحزب الجمهوري، ومرشحي الرئاسة بالذات - عن مسار الرئيس بوش ومجمل السياسات التي يتبعها.. وربما يعود هذا المسلك - على نحو ما أسلفنا - إلى الانخفاض الشديد في شعبية الرئيس، وإلى حساسية الحلبة السياسية في أميركا إزاء ما توحي به استطلاعات الرأي العام..

وسواء نجحت سياسة التباعد في وصول قيادة جمهورية إلى البيت الأبيض. أو استطاع الديمقراطيون أن يفوزوا في العام القادم بموقع الرئاسة الأولى - يظل من المتصور أن تشهد الفترة المقبلة تغييراً، أو محاولات للتغيير في مسار السياسة الأميركية تجاه العالم الخارجي..

وهو أمر يتوقعه المحللون مع حلول سبتمبر القادم الذي حددته واشنطون لجرد الأوضاع وتقييم المعطيات على الأرض في ضوء التقارير الميدانية المنتظر تقديمها بشأن ما تؤول إليه الأحوال شديدة الالتهاب إلى حد التفجر في أرض العراق.

كاتب مصري