عندما قال الداعية الإسلامي الشيخ فتحي يكن بعد مرور أسبوعين على أحداث مخيم نهر البارد في شمالي لبنان أن المسلحين المتحصنين مرتبطون بقيادة القاعدة العالمية لم يصدقه أحد بل قامت الدنيا ولم تقعد وتعرض الشيخ ومَنْ معه لعملية تشهير واسعة.

وبعد مرور ثلاثة أشهر على هذه الأحداث الأليمة حسم قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان الجدل المفتوح حول هوية المسلحين عندما أعلن أنهم ليسوا بالعصابة بل هم أكبر من ذلك، إنهم عناصر خطيرة مدربة تدريباً جيداً ومرتبطون بتنظيم القاعدة ولا علاقة للمخابرات السورية ولا الحكومة اللبنانية بهم من قريب ولا من بعيد، أيضاً وأيضاً لم يتقبل البعض هذه الصراحة.

الغريب والمدهش أن هذا الكلام الواضح والمطلوب الذي كان ينتظره الكثير من اللبنانيين بفارغ الصبر لم يكن مريحاً لفريق من السياسيين حيث تصدي له نواب في البرلمان بالنقد الشديد وأخذوا يشككون به وبدوره بعد أن كان هؤلاء يكيلون له قصائد المديح.

من المفيد إعلان الحكومة اللبنانية عن خطة لإعادة بناء المخيم الذي تحول إلى أطلال وطمأنة الناس على مصيرها إلا أن هذه الاشتباكات التي دخلت شهرها الرابع لا تزال تراوح مكانها وتسير نحو الحسم ببطء شديد لأن المسلحين المتحصنين داخل المخيم الذين تراجعوا كثيراً داخله وأصبحوا محاصرين في مربع صغير ولكنه المربع الأكثر تحصيناً يؤكد ما أعلنه قائد الجيش أن هؤلاء المسلحين يقاتلون بطريقة عالية الكفاءة، ويملكون عتاداً وذخائر ضخمة جداً.

الملفت لا بل الخطير أن أحداث مخيم نهر البارد دخلت اليوميات الروتينية للناس في لبنان وفي العالم، وأصبح خبر الاشتباكات وسقوط الشهداء للجيش في نشرات الأخبار أمراً عادياً لا يستحق إدراجه تحت عنوان عاجل كما لا يستحق الكثير الانتباه، إنه جرح مرشح إلى المزيد من النزيف لا سمح الله، خصوصاً إذا ما علمنا أن شاكر العبسي القائد الظاهر لهذه المجموعة قد نشرت شائعات تقول إنه وصل إلى مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا الجنوبية مؤخراً، والمعلوم أن كل أرض مخيم تطأها قدم العبسي مرشحة أن تتحول إلى نهر بارد آخر.

ولم يفسر لنا حتى الآن أحد، ظاهرة العبسي هذه التي تملك كل هذا الرصيد الذي يؤهلها دخول المخيمات الفلسطينية حصراً وإقامة هذه المشاريع العسكرية الهدامة في وجه السلطة اللبنانية وفي وجه الجيش اللبناني تحديداً، وهذا يلقي الضوء على رواية أبو هريرة الهزيلة التي تشبه حكايات مسلسل روبين هود الشهيرة، فأبو هريرة الذي استطاع الخروج من المخيم تسللاً تحت جنح الظلام عبر البحر سباحة.

وهو لا يحسن السباحة كما تؤكد شقيقته ووصل إلى عين الحلوة في صيدا ثم عاد إلى طرابلس على ظهر دراجة يحمل مبلغاً كبيراً من المال، ثم وجد حاجزاً للشرطة فأطلق النار على عناصره ولم يصبهم لكنهم أردوه قتيلاً، بهذه البساطة، وبهذه الحكاية الفقيرة التي تفتقر إلى الخيال المحبوك خرج أبو هريرة من المسرح، وكل رواية بلا خيال هي رواية فاشلة لا معنى لها.

يذهب البعض إلى الاعتقاد أن السبب الحقيقي للهجوم على تصريحات قائد الجيش اللبناني أن كلامه الصريح نسف سياقاً كاملاً لمنطق ظهور فتح الإسلام على الأراضي اللبنانية، وفي مخيم نهر البارد تحديداً وكان منطلق هذا الفريق الذي بذل جهداً كبيراً لترسيخه وترويجه أن هذه المنظمة صناعة سورية.

وأن قادتها كالعبسي وأبو هريرة وسواهما تم تجنيدهما في السجون السورية لممارسة التخريب ونشر الفوضى في لبنان، أما المنطق الثاني الذي كان يستند على تقارير صحافية أجنبية للصحافي سيمور هيرش وسواه التي تتحدث عن مجموعات أصولية سلفية تغذيها بعض الجهات الرسمية لحسابات ومصالح خاصة، ولمواجهة انتشار حزب الله قد دخلت لبنان وهي تتحصن في بعض المخيمات خصوصاً نهر البارد.

في مطلق الأحوال وبمعزل عن هذه النظرية التي تؤكد أن فتح الإسلام ضالعة في عدد من التفجيرات والاغتيالات التي جرت خلال العامين الماضيين سقط فيها شخصيات سياسية وثقافية وفكرية ووطنية مهمة، خصوصاً تفجير عين علق في جبل لبنان واغتيال الوزير بيار الجميل.

وتفيد المعلومات أنه تم اكتشاف وجود سيارة استعملت في اغتيال الوزير الجميل في مخيم نهر البارد كل هذه العوامل تؤكد مسألة أساسية أن لبنان للأسف تحول إلى ساحة صراع وينبغي على اللبنانيين وعلى المسؤولين فيه التخلي عن الحساسيات السياسية الصغيرة والإسراع إلى مبادرة جامعة تخلص البلد من محنته التي يتخبط فيها، فإنقاذ لبنان هو أهم من تحقيق مكاسب سياسية صغيرة وضيقة. وهكذا وبدلاً من أن يكون الكلام البارد الذي أطلقه قائد الجيش ليكون برداً وسلاماً على سخونة البارد تحول إلى سجال لا طائل منه ويطيل عمر الأزمة.