كثيرون من تقلقهم التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة ويتحرون الدقة عند الاستماع للطرف الآخر حتى لا يسقط أي تفاصيل فيعيدون الأسئلة عن كل شاردة وواردة لدرجة أن تلفظ نفسك وتكره تلك الساعة التي جمعتك بهم، أما البعض فيغرق الآخرين بالتفاصيل الهامشية جدا وقبل أن يصل إلى لب الموضوع ينتحر المستمع نفسيا وتراوده الأفكار السوداء في كيفية الإجهاز على محدثه، وغالباً ما ينتهي الود بين هكذا أصدقاء.. فلماذا هذه العناية بالتفاصيل القاتلة عند البعض، ولماذا يسقطها الآخرون دون إعارتها التفاته؟

بعض من هذه التفاصيل تستوقفنا يومياً بخاصة حين تقف مزدحما في طابور الإشارة الحمراء، وتجد نفسك دون تعمد مقحماً نفسك في كثير من التفاصيل المهمشة التي لا ترقى إلى العناية بها، فتضطر أنت للبحث عن الأسباب التي دفعت لتهميشها، فالمطبات والحفر وكثير من أعمال الطرق التي لا تضع حدا للزحام هي تفاصيل هامة ومهملة.

وتلك الأشجار المترامية دون أن يتكلف أحد بتشذيبها تفاصيل بصرية تؤذي جمالية مدينتك، وهذا الحيوان النافق منذ أيام لا يزال على قارعة الطريق يعبر بالضرورة عن تفاصيل من الموت المجاني، وحين يطول انتظارك في الإشارة الحمراء ويمر الوقت ثقيلا دون أمل في التحرك، تتساءل كيف تغيب هذه التفاصيل المرورية عن رجل المرور؟

تدخل إلى المستشفى وأنت تبحث عن بارقة أمل تنتشل حيرتك من الم يعتصر الخاصرة، فتجلس منتظرا على الكرسي في تلك المساحة الضيقة المخصصة للحالات الطارئة، يجول بصرك في أروقة المكان فيسقط على بقع دم لم تجد من يهتم بتنظيفها، ثم هذا الغبار المتكدس لم تسعفه يد بإزالته، وتلك العجوز المتألمة هي أيضا لم تسعفها الأيادي الرحيمة تنتظر أحد يهتم بتفاصيل مرضها، ومع الوقت تحول الحالات الطارئة إلى العناية المركزة بعد أن أصبحت مستعصية لأنها لم تجد باكرا من يعتني بتفاصيلها.

في مستشفى آخر يكدس المرضى فوق الأسرة دون تأمين حاجاتهم، ولأن النسيان صفة من صفات الإنسان فقد نسي المعني بالأمر دراسة تفاصيل الحاجة إلى كادر تمريضي يتناسب وأعداد المرضى، فممرضتان في قسم تجاوز مرضاه الثلاثين، يعبر عن نسيان قسري لبعض المرضى العاجزين عن تلقي المساعدة لأن سياسة ليس باليد حيلة لا تزال تؤرق من لا يستطيع مقاومة تفاصيل الروتين في مستشفى حكومي حين تنتهي ساعات العمل بصيدلية المستشفى مع ساعات العمل الرسمية متناسين أن صيدلية المستشفى بمثابة صمام الأمان للمريض فالمرض لا يعترف بساعات الدوام الرسمي، فيا ترى كيف تنسى مثل هذه التفاصيل؟

تتداخل التفاصيل في بعضها حين تشعر أنك قريب جدا من تحقيق حلمك في بناء منزل العمر، وان قرض الإسكان على وشك أن يحقق هذه الأمنية الصعبة فتذهب لتخطط لمستقبل الأبناء في الاستقلال بغرف مستقلة بعد أن تكدسوا طويلا في غرفة واحدة طالما احتضنت طفولتهم وضاقت بهم كلما شبوا عن الطوق.

ومع أحلام رب الأسرة المشروعة بالبيت الكبير تأتي التفاصيل مؤرقة وقاصمة لظهر الأب فمبلغ الإسكان المنتظر لا يكفي لبناء ملحق مع جنون أسعار مواد البناء، وكي يحقق تفاصيل حلمه لا بد أن يقترض مبلغا وقدره لعلّ وعسى يحظى ببيت يجسد الحد الأدنى من الحلم، فلماذا يسقط المعنيون بقروض الإسكان تفاصيل الغلاء ولاسيما فيما يتعلق بالبناء وهل هناك اتجاه لدراسة تفاصيل الواقع قبل الشروع بمنح القروض؟

منذ صدور قانون حماية المستهلك مانحا وزارة الاقتصاد سلطات شن حملة على الزيادات غير العادلة في الأسعار والمستهلك يتابع تفاصيل الزيادات اليومية في جميع المواد الاستهلاكية وغير الاستهلاكية منتظرا تدخل صارم لوزارة الاقتصاد، متسائلا في الوقت نفسه عن أسباب التأخر التي دفعت بكثير من التجار إلى المغالاة في رفع أسعار الماء والخبز والحليب، وغيرها من المواد الضرورية.

وعند مراجعة تفاصيل القانون نجده ملبياً لطموح المستهلك وانه بمثابة الأداة القانونية التي تنظم علاقة المستهلك وتوفر له الحماية تجاه ما يستهلكه، لكن حين مراجعة الوقائع اليومية نجد أن هناك فرقاً بين هذه التفاصيل المنصفة وبين التفاصيل الظالمة التي تنهش راتب الموظف من كل صوب وتسقط من حساباتها متطلبات الحياة اليومية التي تسلب منه رغبته في التوفير .

وفي عيش حياة تتسم بالرخاء والحبور، وهيهات ما دام الحسد ينهش قلوب التجار كلما سمعوا بتلك الزيادات التي تحاول أن تعين الناس على غلاء المعيشة ليفاجئوهم بغلاء أكثر، فمتى تخترق وزارة الاقتصاد تفاصيل هذه اللعبة وتهتم بالحيثيات المتناهية وتفعّل القانون؟

حين تصبح البطالة ظاهرة تسيطر على شريحة كبيرة من الشباب والشابات الذين أضناهم البحث عبثا عن وظائف شاغرة، تتحول تفاصيل حياتهم إلى ما يشبه الموت السريري، فترافقهم مشاعر الكآبة والحنق وبعدم الجدوى، ويخسر المجتمع طاقات شابة من شأنها إحداث التغيير بالدماء الجديدة المطلوبة التي أصبحت كالموضة الكل ينادي ويتشدق بها دون أن يعي المسؤولية الملقاة على عاتقه وبخاصة حين يخرج المسؤول ليعلن عن رغبة المؤسسة الحكومية بتوظيف الطاقات الشابة، وبعد أن ينتهي الاستعراض ويصل الشاب إلى مرحلة تفاصيل الوظيفة يفاجأ أن الدماء الجديدة ليست بالضرورة محلية الأصل، فلماذا هذا اللف والدوران على التفاصيل من البداية؟

ما أسهل أن نعلق مشاكلنا الاجتماعية على مشجب الآخرين وعلى الظروف متناسين التفاصيل الحقيقية التي ساهمت في تردي الواقع، وما أقسى أن نرى تلك الخادمة التي تصب جام غضبها على الطفل في غياب شبه تام من الأهل وبخاصة الأم التي تترك طفلها الرضيع مضطرة للمساهمة في تحمل مسؤولية عبء المعيشة، دون أن توفر لها الدولة حضانات في مكان عملها فإلى متى نتغاضى عن وضع هذه التفاصيل الهامة نصب أعيننا؟

وإلى متى نسقط الظروف الاجتماعية التي تحيط بمسيرة الأم العاملة والمشاكل التي تعانيها والتي تضطرها لمغادرة بيتها باكرا جدا حتى تستطيع الحضور باكرا في غمرة الزحام المروري القاتل يرجع الأطفال من المدرسة دون أن يروا من يستقبلهم أو يحتضنهم ويتداخل في تفاصيلهم؟ غياب شبه كلي للأم وللأب، والسبب هو الجري وراء تأمين مستقبل أفضل لصغارهم التائهين في منزل مليء بالأمهات البديلات الغاضبات.

كاتبة إماراتية