انتهت الجولة الثانية من المباحثات بين المغرب وجبهة البوليساريو والتي عقدت تحت رعاية الأمم المتحدة في نيويورك وقد أعلنت جبهة البوليساريو أن جولة ثالثة من المفاوضات المباشرة بشأن نزاع الصحراء ستعقد في أوروبا قبل نهاية العام الجاري.وانتهت الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، من دون إحراز أي تقدم يذكر سوى الاتفاق على عقد جولة ثالثة من المحادثات، لم يتم بعد تحديد مكان وتاريخ عقدها. بيد إن الجبهة الانفصالية قالت إنها ستعقد في أوروبا.
وقال الوسيط الأممي في نزاع الصحراء بيتر فان والسوم، في بيان ختامي صدر عقب نهاية جولة المفاوضات الثانية: «المغرب وجبهة البوليساريو أقرا بأن الوضع الراهن غير مقبول والتزما بالتفاوض بنية صادقة». وذكر بيان ولسوم إن الجانبين لم يحددا بعد مكان وموعد الجولة الثالثة من المفاوضات، ولكن رئيس الوفد المغربي وزير الداخلية شكيب بن موسى أوضح «إنه لم يتم الاتفاق بعد على موعد الجولة الثالثة للمفاوضات، لأن المغرب سيدخل الانتخابات التشريعية وستكون هناك حكومة جديدة».
ومن المقرر أن تجري الانتخابات التشريعية في المغرب يوم السابع من سبتمبر المقبل.وأفاد بن موسى بأن تحديد موعد ومكان الجولة القادمة سيتم بعد تشاور ممثل الأمين العام للأمم المتحدة مع المغرب وجبهة البوليساريو. ورجحت المصادر المطلعة على المفاوضات أن تعقد الجولة الثالثة قبل نهاية هذا العام وستكون في إحدى المدن الأوروبية.
وقبل انتهاء الجولة الثانية تبادل الطرفان الاتهامات، واتهم كل طرف الطرف الآخر بالتصلب، وأصر كل طرف على ما لديه من مقترحات لحل نزاع الصحراء، الذي مضى عليه أكثر من ثلاثة عقود. ووصف راضي بشير سقاير، مستشار رئيس جبهة البوليساريو محمد عبد العزيز، موقف الرباط في المحادثات بـ «المتصلب»، مؤكدا أن ذلك الموقف جعل المفاوضات «تتم في مناخ غير مريح». واتهم المغرب جبهة البوليساريو بنسف أجواء المفاوضات.
وإذا كانت هناك أوساط رأت أن جولتي المفاوضات بين المغرب وبوليساريو لم تحققا اى تقدم بسبب تمسك كل منهما بالمواقف الأساسية المعلنة، حيث طرحت بوليساريو في الجولة الثانية من المفاوضات ثلاثة خيارات تكمن في تنظيم استفتاء محتمل ينتج عنه إما إلحاق الصحراء بالمغرب أو منحها الحكم الذاتي أو الاستقلال.
أما المغرب فقد طرحت خيارا واحدا تمثل في منح الحكم الذاتي في إطار سيادتها ووحدة ترابها، الأمر الذي ترفضه جبهة البوليساريو. فان هناك أطرافا أخرى ترى أن عقد المفاوضات في حد ذاته يعد إنجازا يمكن أن يسفر عن تطورات ايجابية تقف دونها الآن الحواجز النفسية المترسبة لدى الأطراف المعنية بها، ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن مجموعة الأزمات الدولية وصفت الصراع حول الصحراء الغربية بأنه نزاع مجمد، وبالتالي فهم يرون أن أي خطوة تحدث فيه هي بالأساس خطوة ايجابية.
ذلك أن الصراع على الصحراء الغربية هو واحد من أقدم نزاعات القارة الأفريقية المسكوت عنها تقريبا بينما هو نزاع غامض وبعيد بالنسبة إلى بقية العالم العربي رغم انه يمس دولا رئيسية في الجامعة العربية لها مبادراتها وإسهاماتها الكبيرة في أزمات العرب، ولكن المفارقة أنها قاومت بضراوة أي تدخل من جانب العرب في هذا النزاع. كل ذلك حسب توصيف مجموعة الأزمات الدولية.
والجديد في هذا النزاع المجمد أو المنسي هو النفس الجديد الذي بدأ يلوح من المفاوضات التي دخلت جولتها الثانية بين الأطراف المعنية في ضاحية مانهاست في نيويورك. وما نقصده بالنفس الجديد هو مناقشة الطرفين للتفاصيل بعيدا عن المواقف المسبقة التي كانت تحكم كافة الجولات السابقة وكانت في معظمها غير مباشرة بين الطرفين أو عقدت تحت رعاية وسطاء غير الأمم المتحدة.
وإذا كان لا يبدو أن هناك شيئا ملموسا تحقق على طاولة المفاوضات في هذه الجولة الأخيرة سوى طرح الطرفين الرئيسيين، المغرب والبوليساريو موقفيهما بين استفتاء على حكم ذاتي تطرحه المغرب، أو استفتاء مفتوح الخيارات الذي تطرحه بوليساريو،إلا انه وسط الاتهامات بالتصلب في المواقف والتي تبادلها الطرفان كان ملحوظا خطاب رئيس الوفد المغربي الذي دعا في كلمته الافتتاحية إلى سلام الشجعان.
وهو ما رد عليه مسؤول صحراوي بعد اختتام جولة المفاوضات بقوله إن البوليساريو بدأت بالفعل خطوات سلام الشجعان.وهذه اللغة حسب رأى المراقبين توحي بان هناك روحا جديدة أو فكرا جديدا بدأ يدب في بلدان مثلث الصراع بأن التسوية حان وقتها، ولو صح ذلك فإننا نكون على أعتاب مرحلة جديدة مختلفة في تاريخ منطقة المغرب العربي. وما نقصده ببلدان مثلث الصراع هو كل من المغرب وبوليساريو إضافة إلى الجزائر التي تتورط بشكل أو بآخر في هذا الصراع.
ومن خلال تطورات الجولة الثانية والاتفاق على عقد جولة ثالثة نستطيع القول إن الجمود الذي تشهده المسألة الصحراوية قد تحرك، وان كنا لا نستطيع الزعم بان نقلة نوعية قد حدثت على هذا الصعيد إلا إننا في نفس الوقت نستطيع القول انه يمكن أن يحدث تراكم تدريجي يؤدي إلى حدوث نقلة نوعية على صعيد نفس الصراع وهذا الأمر مؤهل للحدوث نظرا إلى وجود عوامل متعددة تؤدي إلى هذا التطور ومنها عوامل داخلية لدى أطراف الصراع وعوامل أخرى خارجية.
وفيما يتعلق بالعوامل الداخلية فهي تتمثل في حالة الإنهاك التي أصابت أطراف الصراع من دون تحقيق أي مكاسب على الأرض حتى الآن. وهو ما استدعى منها البحث عن طرق أخرى تنهي الصراع بصورة تحفظ لها ماء الوجه وهذا ما توفر في مبادرة الأمم المتحدة التي يتفاوض الطرفان بموجبها حاليا.
أما العوامل المتعلقة بالأطراف الخارجية فهي تتمثل في ضغطها على أطراف الصراع من اجل إنهاء الموضوع لأن هذا الأمر يساعد على إنهاء ملفات دولية مهمة تحتاج إلى التعاطي معها في الوقت الراهن. وفى مقدمة هذه الملفات وجود تنظيم القاعدة في منطقة المغرب العربي، والتعاون الاورو متوسطي، وملفات أخرى تتعلق بالعلاقة بين أوروبا ومنطقة المغرب العربي. وخلاصة القول إن ما يحدث من لقاءات بين المغرب وبوليساريو هو تحريك لجمود الصراع وهو ما يمكن أن يمثل مقدمة للحل النهائي له.
كاتب مصري