عندما قال الشاعر إذا هبت رياحك فاغتنمها، فكأنما كان قائل هذا الشطر من البيت المكتوب منذ ألف وخمسمئة عام قد كتبه الآن، وكأن الأرواح جنود مجندة حسب التعريف المألوف تتجاوز المكان والزمان إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ان هذا الشعر قد قيل في بدايات عصر الازدهار للدولة الإسلامية.

يقول أحد الحكماء «الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك»، وبما أن الشيخ يوسف البدري الذي ربح الدعوى ضد الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي، وحكمت المحكمة له بالحجز على أثاث منزله، لأنه رفض دفع الغرامة المالية وقدرها عشرون ألف جنيه، بحجة عدم امتلاكه هذا المبلغ وتهربه من الدفع حسب ادعاء المحامي طه محمود عبدالجليل وكيل الداعية الإسلامي، فإن الشيخ البدري يعرف أن خصومه كُثر ويتربصون به الدوائر، وإذا وقع بين أيديهم فلن يرحموه، ولن يشفقوا عليه، ولذلك فإن الشيخ يخوضها معركة بالقانون، ومن خلال المحاكم والقضاء، ويعمل على سدّ الثغرات بالقانون أيضاً من أجل إثبات العدالة حسب قناعته وتقويم الاعوجاج الحاصل.

والدفاع عن نفسه، لأنه تعرّض للذم والقدح من الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي في مقالة كتبها في مجلة «روز اليوسف» منذ حوالي ثلاثة أعوام.

الجديد في هذه القضية، أن الشيخ يوسف البدري لم يكتفِ بالحكم الذي حصل عليه بالقضاء، وتغريم الشاعر حجازي بمبلغ العشرين ألف جنيه، وملاحقته لدفعها، إلا أنه وسَّع دائرة المعركة، حيث رفع دعوى ضد عدد من الكتّاب والمفكرين الذين تعاطفوا مع موقف الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي.

والتمس الشيخ البدري من النائب العام إصدار أمر بسرعة التحقيق في الشكوى وتحريك الدعوى الجنائية ضد المشكو في حقهم جميعهم وهم: د. جابر عصفور الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة، وأسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام، وجمال الغيطاني رئيس تحرير أخبار الأدب، والروائي عزت القمحاوي، والصحافيان محمد شعير ونبيل عمر وناصر أمين المحامي.

وأحمد عبدالمعطي حجازي نفسه لم يسلم مرة أخرى من الدعوى، وطالب الداعية البدري في نص الشكوى بأن الشاكي فوجئ بثورة كاذبة مصطنعة لمجموعة من الكتاب والشعراء ممن احتكروا الثقافة وتسموا بالمثقفين ممن لهم تعاطف مع المشكو في حقه «حجازي» يشنون حملة صافية عليه وعلى الحكم الصادر لمصلحته، وإظهار الحكم على انه حكم خاطئ يهدد حرية الفكر والإبداع ويعادي الثقافة.

واعتبر الشيخ البدري في سياق الدعوى التي أقامها ضد هؤلاء الكتاب بأنهم يبثون دعايات مثيرة بالدعوة إلى الخروج على أحكام القانون وعدم احترام القضاء والقانون والثورة عليهما، والدعوة إلى تعطيل تنفيذها، واتهامه بإثارة الفتنة في المجتمع المصري مما يهدد الأمن القومي والسلام الاجتماعي والصالح العام.

يخرج المتتبع لهذه الشكوى التي رفعها الشيخ البدري مجدداً ضد هؤلاء الكتاب المتعاطفين مع زميلهم الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي باستنتاج سريع أن هؤلاء المفكرين لن يخرجوا من هذه القضية سالمين، وأن أحكام الردة والتفريق بين الزوجين وما حصل لنصر حامد أبو زيد وأسامة أنور عكاشة ونوال السعداوي وغيرهم هي بسيطة أمام السيل من الاتهامات التي يسوقها البدري ضد خصومه المتعاطفين مع زميلهم، وأن كل واحدة منها كفيلة بإدخال أصحابها السجن المؤبد أو المشنقة، بلا جدال أو تخفيف بالحكم، وكأنها قضية تدخل في إطار احتكار العدالة ولا أحد يستطيع الإدعاء في ذلك.

وهكذا فان الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي الذي يتهمه زملاؤه الذين يتعاطفون معه انه أخطأ بحقهم مرتين: الأولى عندما وقف على الحياد يتفرج عليهم طوال السنوات الماضية التي واجهوا مجتمعين هذه الحملات داخل أروقة القضاء وسواه، كما قال الشاعر أحمد الشهاوي، والثانية عندما أدين في المحكمة ورفض تنفيذ حكم القضاء وتحولت قضيته إلى رأي عام بات على الجميع الالتزام بمساندته والتعاطف معه رغم حياديته وسخريته أحياناً من قضايا زملائه المماثلة في الماضي القريب.

قد يقول قائل ان الشيخ البدري حر بقناعاته، وان الرجل لا يسيء لأحد بل هو يحتكم للقضاء الذي يفصل في مثل هذه القضايا، والجواب المنطقي والعاقل أن هذا كلام صحيح، ولكن لابد من القول إذا كان أحمد عبدالمعطي حجازي مذنباً فليس من حق أحد أن ـ يمنع أصدقاءه أو زملاءه من الوقوف إلى جانبه لأنه لا يوجد حق قضائي مطلق، ولهذا لا يمكن قبول جر كل الذين تعاطفوا مع هذا الشاعر الذي يعترف محامي الشيخ البدري بأنه كبير إلى المحاكم وأن تصل روح التشفي والكيدية إلى حد وضع أثاث منزله في المزاد، حتى وإن كان وضعه المالي جيداً ويتقاضى من الأهرام وحدها دخلاً شهرياً من مقالاته يعادل عشرة آلاف جنيه.

كما قال المحامي الذي طالب حجازي بشيء من التشفي أن يكون شجاعاً بتحمل مسؤولية الخطأ مثلما كان شجاعاً في سب الشيخ وقذفه». والإعجاب ببراعة البدري في خوض هذه المعارك مجتمعة لا يخفي أبداً الإعجاب بموقف خصومه المتعاطفين مع حرية الشعر والرأي والإبداع.. المآل الأهم للتقدم والنجاح.