عندما خاض عبد الناصر حربه ضد الكيان الصهيوني والإمبريالية الأجنبية في الستينات باسم القومية العربية وضحى في سبيل ذلك بالكثير من رموز الحركة الإسلامية، فقد كان يحمل في طيات ذلك رسالة مفادها أن القومية أشمل من الإسلام وهي قادرة على تحقيق برنامج التكامل الوطني والتحديث عما سواها من معتقدات.

ولكن جاءت هزيمته لتنسف ما تصوره. وتوالت الأحداث فيما بعد في حقبة السبعينات لتثبت عكس ما تصوره عبد الناصر والقوميون والاشتراكيون. فنجاح الثورة الإيرانية كان بقيادة دينية، وهزيمة الشيوعيين في أفغانستان، وظهور ما يسمى بصحوة إسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية كمصر والأردن والجزائر وتركيا والسعودية والكويت وفلسطين، وتمثلها في عدة مظاهر منها الإقبال على التصويت للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية مما أدى إلى إشغالهم لمقاعد عديدة، بالإضافة لظهور اقتصاد إسلامي تمثل في تأسيس بنوك إسلامية، ومؤسسات تجارية لا ربوية، وظهور جمعيات إسلامية تقود العمل الخيري في آسيا وإفريقيا.

وبروز ظاهرة انتشار الكتاب الإسلامي والأشرطة السمعية مما أدى إلى ازدياد عدد الشباب المتدين.. الخ وغيرها من مظاهر دينية نسفت ما كان يتوقعه اليسار العربي الذي يحتكم إلى الماركسية في رؤيته للعامل الديني، بأنه لا يعدو أكثر من مجرد مشاعر روحانية ممتلئة بالطمأنينة والتفاؤل وهي في طريقها للانهيار.

لقد تعددت في تلك الفترة تفسيرات ظهور الصحوة الإسلامية، فمنهم من أرجعها إلى هزيمة حزيران وما نتج عنها من تراجع للمشروع الوطني القومي، فصعدت الحركات الإسلامية لتسد الفراغ الذي نجم عن حدوث النكسة. ومنهم من أرجعها إلي سياسة بعض الحكام في تلك الفترة كالسادات الذي أراد أن يقضي على الناصريين واليساريين، فأطلق العنان ليد الحركات الإسلامية في مصر.

كما فعل ذلك بو رقيبة في تونس الذي سمح للإسلاميين بالعمل في تونس من أجل الحد من نفوذ التيار الشيوعي هناك. ومنهم من أرجعها للظروف الاقتصادية السيئة، وهناك تفسير اجتماعي للظاهرة مفاده أن الظاهرة الإسلامية هي ايديولوجيا ريفية في عالم المدن، ويمكن مطالعة كتابات محمود أمين العالم في ذلك. واليوم مازالت أنظار الكثير من المراقبين والمفكرين مشدودة للدين، فقد أثبت سرعة انتشاره ووجوده في ظل الانفتاح الاقتصادي والعولمة ومستوى الحريات العالي التي يعيشها العالم، والأمر لا يقتصر على الإسلام بل يتعداه ليشمل الديانات الأخرى. ففي الولايات المتحدة والبرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا ازداد التدين بين عامي 1990 / 1002.

وسجلت دراسات أجراها مركز تايمز ميرور ومركز بيو للأبحاث زيادة بين عامي 1987 و 1997 بنسبة 10% أو أكثر في نسبة الأميركيين الذين أجريت عليهم أبحاث والذين يتفقون بشدة على بعض المسلمات الإيمانية مثل مسألة وجود الله وأنهم سوف يحاسبون في الآخرة عن أعمالهم في الدنيا، وأن الله يقوم بمعجزات، وأن الصلاة تشكل جزءاً مهماً من حياتهم اليومية. وحتى في أوروبا التي تعد معقل العلمانية حدث إعادة إحياء مرة أخرى للدين، وأصبح هناك التزام مذهل للتدين.

قد يكون التحرر من الفكر الديكتاتوري الذي كان يفرض التعاليم العلمانية بكل صرامة وذلك لأن فئات الحكم في تلك الفترة اعتبرتها مسألة ضرورية لإحداث التحديث والنهضة الشاملة كما حدث في تركيا في أتاتورك ومصر في عهد عبدالناصر والهند في عهد نهرو، وفتح المجال للحريات فيما بعد، أحد الأسباب في عودة التدين في الحياة العامة، وذلك من خلال ظهور الأحزاب الإسلامية أو ظهور كتل تبشيرية في الدول المسيحية استطاعت أن تكون كتل انتخابية ذات نفوذ كبير، وأن تظهر على مسرح السياسة كما حدث في البرازيل ونيكارغوا، وعلى الصعيد الإسلامي ظهور الإسلام السياسي في تركيا.

ولا يمكن إغفال كذلك دور المنظمات المتطورة ذات القدرة السياسية والاقتصادية في نجاح بعض الحركات الدينية وانتشارها، كالمنظمات الاقتصادية في تركيا والدور الفعال الذي لعبته في تأسيس ودعم بعض الأحزاب الإسلامية، وكذلك منظمات مماثلة في العالم العربي في مصر والأردن وحماس في الأراضي الفلسطينية. وفي الهند عملت حركة «فيشوا هندو باريشاد» على تحويل رقعة واسعة من الهند إلى «لون الزعفران» وذلك من خلال نشاطها الديني والاجتماعي ووضعت الإطار التأسيسي لنجاح حزب بهاراتيا جاناتا الانتخابي في التسعينات.

وقد يكون الدور النضالي الذي لعبته بعض الأحزاب الإسلامية وأحرزت فيه انتصارات ملموسة سبباً آخر في انتشار التدين، ومثال على ذلك ما حققه حزب الله سواء في تحرير الجنوب عام 2000 أو حرب تموز الأخيرة 2006، وما حققته كذلك حركة حماس والحركات الإسلامية الأخرى في فلسطين وإن بدأت اليوم تفقد بعض مصداقيتها.

نستطيع القول: إن الدين السياسي أصبح اليوم هو الإطار الذي نستطيع من خلاله تفسير معظم الشؤون السياسية العالمية. وقد ساعدت العولمة والتحديث وإحلال الديمقراطية في زيادة قوته، وهو الشيء الذي لم يكن يتوقعه الكثير من الخبراء والمراقبين الذين كانوا يرون أن العولمة والتحديث سيقضيان على تأثير الدين في حياة الشعوب، ولكن جاءت هذه التوقعات عكس الواقع.

ولكن يبقى هناك تساؤل حول مستقبل العالم في إطار عودة الدين إلى الحياة السياسية، هل سيفتح الباب أمام الطائفية والمذهبية وبالتالي للحروب والاقتتال كما يحدث اليوم في العراق ولبنان وإيران، فقد سجلت الأرقام منذ عام 2000 نسبة 43 من الحروب الأهلية كانت دينية، (وكان ربع تلك الحروب فقط لأسباب دينية في الأربعينات والخمسينات). أم أن صوت العقل والمنطق سيكون له كلمة في الأيام المقبلة، هذا ما سنشهده لاحقاً.

مركز زايد للتراث والتاريخ