قبل شهرين تقريبا صحا العالم العربي مرة أخرى من سباته الشتوي المتواصل وحاول أن يجامل سوريا ضمن المجاملات الدبلوماسية المعتادة بإعلانه أنه ما زال يتذكر هضبة الجولان التي تم احتلالها من قبل إسرائيل قبل 40 عاما بعد حرب مفاجئة وضروس تسببت في تأخر التقدم العربي تكنولوجيا وحضاريا واقتصاديا خمسين سنة إلى الوراء، ودون أن يحاول بعدها التقدم للأمام ولو سنة واحدة.
وقبل أيام أيضا هناك من أصر في لبنان تحديا على أن يحتفل بانتصار المقاومة التي هزمت ترسانة إسرائيل وهناك من أصر أن يحتفل بالكارثة التي حولت في غضون شهر فقط أكثر من نصف هذه الجمهورية المنهكة والممزقة إلى ركام ورد الاقتصاد اللبناني خمسين سنة إلى الخلف، وهيأها لاشتباكات عسكرية جديدة وأكثر دموية بين فتح الإسلام والجيش اللبناني، واشتباكات سياسية أكثر حدة، فأصبح الاحتفال بالغزو الإسرائيلي لبلدهم مسألة مصير وشرف وكرامة أو مسألة فرصة سانحة لسحب السلاح من يد المقاومة.
وفي نفس هذه الأيام أيضا يحتفل كل من باكستان (14/8) والهند (15/8) بفارق يوم واحد، بالعيد الستين لاستقلالهما عن الاستعمار البريطاني عام 1947 في أجواء مشحونة عسكريا ومعنويا وطائفيا أيضا. لكن في 714 الماضي احتفلت فرنسا بطريقة مختلفة. فهذا الاحتفال السنوي يختلف عن احتفالاتنا بفارق كبير جدا.
فنحن نحتفل عادة بمرور أربعين عاما حدادا على احتلال أراضينا ومقدساتنا، وعلى تمزقنا وعلى خلافاتنا المتزايدة، وعلى حروبنا المستمرة وتشريد سكاننا، لكن الشعب الفرنسي رغم اختلاف طوائفه وأفكاره وثقافاته وجغرافيته استطاع منذ أكثر من 218 سنة وهو تاريخ سقوط سجن الباستيل أن يضع نصب عينيه أمرا واحدا: أن يصبح شعبا متقدما ويضع اختلافاته وخلافاته جانبا وحلها بكل الطرق الحضارية. لقد بنى الشعب الفرنسي جسر الحرية المؤدي إلى مبنى البرلمان الفرنسي من أحجار سجن الباستيل التي تم اقتلاعها حجرا حجرا. ولم يكن ذلك مجرد رمز خطابي، وإنما هو عمل حقيقي واقعي مئة بالمئة.
في فرنسا هناك عشرات الأحزاب التي تمارس حرياتها بشكل منظم وقانوني تتوزع ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. ولكننا نادرا ما نسمع عن تشابك بالأيدي على مقاعد البرلمان أو تشابك بالأسلحة الرشاشة في شوارع باريس بين منتمي هذه الأحزاب، وأحداث الشغب التي عصفت بفرنسا قبل عام تقريبا تم تحييدها في حينها قبل أن تستفحل، ولم يكن ذلك العنف مطلقا نتيجة لاختلاف في المبادئ أو المذاهب أو الأفكار أو الطوائف، بقدر ما كان تعبيرا عشوائيا عن رفض الظلم المادي الذي ألم بفئة صغيرة من المجتمع الفرنسي.
وبمجرد ما مرت العاصفة بسلام حتى تكاتفت كافة أطياف المجتمع الفرنسي للم الشمل ودراسة الأسباب ووضع الحلول السريعة لها حتى لا تتكرر مرة أخرى. ومن ذلك الحين لم نسمع شيئا عن مثل تلك الأمور إلا عند إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية في مايو الماضي وعن فوز مرشح اليمين نيكولا ساركوزي الذي كان محور تلك الأحداث الماضية بسبب تصريحاته التي لامه عليها المجتمع الفرنسي.
وعندما نعود للشرق الأوسط مرة أخرى نجد أن احتفالاتنا يطغى عليها الأسلوب الخطابي وأحيانا النفاق السياسي. فكل هزائمنا انتصارات، وكل تخلفنا الاجتماعي تقدم، وندعي بأن جميع معاناة شعوبنا التي تبكي دما أمام تخاذلنا وضعفنا وتفرقتنا وعنصريتنا دموع فرح لتلك للعدالة التي منحت وتمنح على مدار السنة لكل الأفراد دون النظر إلى طوائفهم أو مذاهبهم أو ألقابهم أو رصيد حساباتهم في البنوك الأجنبية.
بعد ثلاثة شهور سوف تحتفل حماس هي أيضا بدورها بمرور سنة إضافية على أول فوز سياسي ديمقراطي لها في الانتخابات البرلمانية وفي تاريخ القضية الفلسطينية. وسوف يكون احتفالا شرق أوسطي معتادا. فلم تمض شهور على تسلمها زمام الأمور بتكليف من الشعب حتى انقلبت الأمور كلها ضدها. وانقسم الشعب الفلسطيني إلى حمساوي وفتحاوي (على شاكلة الفرق الرياضية) وحكومة في غزة غير معترف بها في الضفة، وحكومة في الضفة غير معترف بها في غزة.
وانتقل الخلاف من مرحلة الخلاف على الأفكار والخطط والبرامج ووجهات النظر إلى مرحلة حرب شوارع دموية. وهكذا تأخر الشعب الفلسطيني المتأخر أصلا عن ركب أبسط شعوب العالم حرية واستقلالا خمسين سنة إلى الوراء ليقع فريسة سهلة لعدوه الذي لم يرحمه قط، ذلك العدو الذي جعل من كيانه الصغير وخلال فترة زمنية قياسية (ريكورد) واحدة من أعظم دول المنطقة قوة ونفوذا عالميا وأكثرها تقدما وديمقراطية بشهادتنا جميعا.
فما أن تتم مصادرة دونم واحد من مزارع الفلسطينيين حتى تشق فيه وفي اليوم التالي الشوارع وتقدم فيه أفضل الخدمات، وما أن يتم الاستيلاء على بيت لمالك فلسطيني متهدم ومحاط بمياه المجاري من كل صوب، حتى تبدأ شركات المقاولات في اليوم الذي يليه ليحوله إلى فيلا سكنية فخمة، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على منظر المستوطنات الإسرائيلية وطريقة هندستها وتصميمها وبنائها وتنظيمها على أحدث النظم العصرية، وتوفير كافة البنى التحتية اللازمة لكي يعيش الإسرائيلي حياة كريمة.
ونقارنها بسكن الفلسطينيين في القطاع وغزة رغم المليارات من الدولارات التي تذهب كمساعدات للشعب الفلسطيني، حتى نكتشف كم نحن متأخرون عن العالم شكلا ومضمونا. ترى أين وكيف تستثمر هذه المليارات؟ أين توضع؟ من القائم على مراقبة الحسابات الفلسطينية؟ هل يعقل أن لا يعلم بها أحد؟ لا أعلم!
لذا لم تجد صحف العالم قبل يومين من خبر بين أخبار جريان الدم المسلم في العراق (وهي قصة كغيرها من قصص شهرزاد وشهريار وحكايات ما قبل النوم الشرق أوسطية) سوى أخبار تمس قرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بسحب الجنسية التونسية عن سهى عرفات زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وعن الحديث عن ثرائها الفاحش وممتلكاتها وأرصدتها التي سحبتها من المصارف التونسية وعن المدرسة الدولية التي كانت تنوي افتتاحها في تونس! وبالطبع القصد من نشر والتركيز على مثل هذه الأخبار واضح وضوح الشمس ولا يحتاج إلى تعليق. هناك عدة مناسبات رسمية قادمة للاحتفال بما لا يستحق أصلا الاحتفال به.
فالاستقلال يعني الاستقلال التام، ونحن فيما يبدو ما زلنا نرزح تحت نير استعمار الدول الغربية ولكن بشكل حضاري، والاستقلال يعني ملاحقة التطور السريع الذي يشهده العالم شرقا وغربا، ولكننا ما زلنا نسخر كل مدخراتنا وثرواتنا لكي نتعارك ونتقاتل كما كانت تفعل القبائل في العصر الجاهلي مرة بسبب شاة ومرة لأجل خاطر ناقة وأصبحت قيمة الإنسان عند البعض لا تساوي قيمة فأر، فيقتلون ويعدمون على شكل مجموعات دون محاكمة ودون سبب ودون مبدأ ودون هدف ودون خوف من الله.
والاستقلال يعني الاستقلال عن الاحتياج إلى منتجات الدول الأجنبية، ونحن ما زلنا نخزن المليارات من الدولارات في البنوك الأجنبية الخارجية التي تقوم باستثمارها في كافة المجالات الصناعية وغيرها، ولا نستفيد منها إلا بقشور الفوائد المحرمة شرعا، أو في شراء الأسلحة الخردة، ومازلنا إلى اليوم غير قادرين على إنتاج حتى دراجة هوائية صالحة للسير.
سمعنا خطب زعماء الطوائف في لبنان، بمناسبة مرور سنة على الغزو والتدمير المحكم لتلك البلد، وما زالت لبنان بدون كهرباء وبدون ماء صالح للشرب وبدون شوارع وبدون سياحة وبدون اقتصاد وبدون سياسة وبدون اتفاق. سمعنا خطب زعماء الهند وباكستان بمناسبة استقلال بلديهما، وما زال الإنسان هناك يعيش تحت خط الفقر والحرب الأهلية على قطعة أرض هنا وقطعة أرض هناك، وعقيدة دينية هنا وعقيدة دينية هناك، بينما هما قادرتان على صنع وتطوير القنابل النووية التي يتباهى كل طرف منهم بأنه قادر على ضرب قلب عاصمة الطرف الآخر، وشعوبهما جائعة تموت في الشوارع.
ونحن منذ أربعين عاما ونحن ننتظر تحرير الجولان وننتظر منذ ستين عاما تحرير ولو شبر واحد من فلسطين وربما لدينا ما يكفي من الصبر إلى يوم القيامة لكي ترجع إلينا فلسطين والجولان كاملة جاهزة مبنية جريا على الأقدام.
سننتظر ما دمنا نشتري عطورنا جاهزة من فرنسا وساعاتنا مضبوطة الوقت من سويسرا وهواتفنا النقالة بخدمات الجي بي أس من السويد وأسلحتنا الفتاكة من كل مكان، والكوكا كولا والهامبورغر من الولايات المتحدة، وفواكهنا المليئة بالمواد السامة من أسبانيا، وأثاثنا الفخم من إيطاليا، وحريرنا الصناعي من اليابان، وأجهزتنا الكهربائية الرخيصة من كوريا، وألعاب أطفالنا القاتلة من الصين.
لماذا لا يحق لنا على الأقل الانتظار؟؟
جامعة الإماراتي