جميل أن يجري هذا الجدل الساخن في مسألة بسيطة في ظاهرها عميقة في باطنها هي قطيعتنا للمواصلات العامة.. إلى اليوم لم أر صاحب دشداشة أو صاحبة عباءة تركب المواصلات العامة، على الرغم من أن مواصلاتنا الحالية والتي لم تنتقل إلى وضعها الجديد والحديث الموعودون به، هي أيضا أنظف وأرقى من مواصلات العديد من البلدان التي سبقتنا فيها..
نحن نتجادل حول مواقفنا وسلوكنا تجاه ما يتم توفيره لنا من خدمات، لكننا لا نتقدم إليها خطوة.. ربما الذين ينتظرون المترو وينتظرون القطار يحملون في داخلهم حب ورغبة الاكتشاف، بما الخدمتان جديديتان، لكن عند الوقوف على أمر باصات النقل العام، فإنها تبقى مهجورة من استخداماتنا..
الجدل الساخن الذي أحببته بيني وبين من شاركوا بمداخلاتهم وتعليقاتهم حول مدى انتفاعنا من مكتسبات النقل العام، وأسباب عزوفنا الطبيعية والنفسية، لا يتعلق فقط بهذا الأمر.. والقضية ليست قضية أن يركن كل مواطن سيارته ويتوجه إلى أقرب محطة باصات ويصطف في طابور المنتظرين ليحجز له مقعداً بجانب من وافقت الصدفة وقادته إليه، وإنما القضية الأساس، في استغلال مكتسبات الوطن برمتها.. ولا تستغربوا إن أحلتكم إلى قضية مشابهة لكنها أهم وواقعها الحالي مثير للدهشة أيضا..
في المناطق الصناعية المنتشرة في مدن وقرى الدولة لا يمتلك المواطن أو الفرد منا من اقتصادها شيئا، إلا فئة قليلة لا تضع يدها إلا على واحد بالمئة من ذلك الاقتصاد. واغلبهم تجار وأصحاب رؤوس أموال نعرفهم..لكن المواطن العادي يكتفي برخصة تجارية لمحل بسيط أجرها لوافد استغلها تمام الاستغلال وأصبحت تدر عليه الشيء الفلاني..
قضية ترك المحل، أو الرخصة التجارية للآخر، هي تماما مشابهة لقضية ترك كرسي في المواصلات العامة التي توفرت من اجل أن نقلل الازدحام ونرتاح من إشكالاته وان نخفف من الأعباء المالية المتكدسة على ظهورنا كالجبال على هيئة قروض بنكية وأقساط مقابل زيادة في الترف.
سيقول قائل انك تهذي في جمع شمل وشكل هذه المقاربة.. لكن أيضا الأمر يكبر ويكبر في مسألة تخلينا وعدم انسجامنا الكامل مع معطيات الخير في بلادنا..
ليس الخجل وحده.. ولكن كل ما في الأمر أننا لا نريد أن نأخذ مكاننا الصحيح، وأننا أصبحنا نشعر شعور الطاووس.. ونتأفف كثيرا..
