فيما تجتهد الإدارة الأميركية لإشاعة الأمل من وراء مسعاها الأخير لدفع عملية السلام، عبر الاجتماع الدولي الذي دعا الرئيس بوش لعقده في الخريف القادم، جاءت تصريحات رئيس حزب العمل، وزير الدفاع في حكومة إيهود أولمرت، ايهود باراك، وكأنها تصب ماءً بارداً على الرؤوس الحامية.
الجولة الأخيرة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس برفقة وزير الدفاع روبرت غيتس إلى المنطقة، جاءت لتحقيق أهداف متعددة من بينها التحضير للاجتماع الدولي القادم الذي ستقوده بنفسها، والذي يتطلب توفير قناعات لدى العرب المعتدلين بجدية واشنطن إزاء دفع العملية السلمية في المنطقة مقابل زيادة حجم وأشكال تعاونها ودعمهم لسياسة أميركا في العراق.
وقد اتبعت رايس زيارتها للمنطقة، بطلبات متكررة لدى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بضرورة تنشيط اللقاءات والمفاوضات الثنائية لتحضير تفاهمات تساعد على تمكين الاجتماع الدولي من الخروج بنتائج ملموسة، ذلك أنها كما قالت لا ترغب في أن يكون الاجتماع مجرد إنجاز إعلامي.
في تقييم الخطوة الأميركية، ودوافعها، وما يمكن أن ينتج عنها تضاربت الآراء والمواقف بين من يرى فيها صحوة متأخرة من قبل الإدارة الأميركية وبداية لتطوير ودفع للعملية السياسية، تحت ضغط حاجتها لإنقاذ سياستها وخياراتها في العراق والمنطقة، وبين من رأى فيما تقوم به الإدارة الأميركية على أنه جزء من مراسم الاحتفال الوداعي لإدارة بوش، قبل الدخول في سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية التي قد تضع حداً لحكم الجمهوريين.
إيهود باراك، جاء ليقدم تحليلاً آخر يعاكس ما ترغب في سماعه الإدارة الأميركية، حين استبعد أن يتم التوصل قريباً إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي نهائي، أو أنه يمكن للجيش الإسرائيلي أن ينسحب من الضفة الغربية قبل خمسة سنوات على الأقل.
واعتبر باراك أن مهلة السنوات الخمس على الأقل هي ضرورية حتى يطور الجيش أنظمة أسلحة مضادة للصواريخ اليدوية الصنع التي يمكن أن يطلقها الفلسطينيون من الضفة الغربية في حال تم الانسحاب كما حصل في قطاع غزة قبل سنتين.
باراك يعود مجدداً للربط بإحكام بين تطور العملية السياسية وتحقيق الأمن الإسرائيلي كأولوية، وهو يتخوف من أن تتمكن حماس من السيطرة على الضفة الغربية بعد سيطرتها على غزة، أو أن يجري نقل تقنيات إنتاج وتطوير الصواريخ محلية الصنع كما في غزة إلى الضفة الغربية.
انتقال تقنيات إنتاج الصواريخ إلى الضفة الغربية أمر مفزع للإسرائيليين، فإذا كانت هذه الصواريخ محدودة الأثر من حيث قوة الانفجار، ومن حيث المدى الذي يمكن أن تصل إليه وأحسنها حتى الآن لا يتجاوز الاثني عشر كيلو متراً، ويصل إلى بعض البلدات الإسرائيلية الثانوية وإلى أطراف مدينة المجدل القريبة من الحدود الشمالية لقطاع غزة، فإن هذه الصواريخ بمواصفاتها الحالية تستطيع في حال إطلاقها من بعض مدنـ الضفة أن تصل إلى مدن إسرائيلية هامة وربما تصل إلى تل أبيب..
وفي الواقع فإن هيئة تطوير الأسلحة المعترضة في إسرائيل، تحتاج إلى سنة ونصف أو سنتين، لتطوير أسلحة دفاعية مضادة للصواريخ الفلسطينية يدوية الصنع كما أشارت إلى ذلك مؤخراً مصادر جيش الدفاع الإسرائيلي.
وإذا كانت تصريحات باراك قد أحدثت بعض ردود الفعل السلبية لكونها تبث قدراً من الإحباط إزاء المساعي الأميركية، فإن الإدارة الأميركية هي من سارعت للرد عليها وليس رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي آثر أن يلتزم الصمت كشكل من أشكال الغموض البناء ذلك أنه يدرك تماماً صدقية ما صدر عن باراك لكنه لا يرغب أو أنه لا يملك القدرة على اغتصاب واشنطن أو اعتراضها.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركي توم كايسي رد في اليوم التالي على تصريحات باراك بالقول «ان تلك التعليقات المتشائمة لا تعكس وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت»، مما دعا باراك لأن يخرج عما يتفق عليه الإسرائيليون من أن أمن إسرائيل يشكل الأولوية.
بعيداً عن المناورات، وعمليات التضليل، ومنطق العلاقات العامة الذي يطغى على السلوك الأميركي إزاء موقفها من إحياء ودفع العملية السلمية، فإن ما قاله باراك، يعكس في الواقع تقييماً صحيحاً لما يمكن أن يفعله أو يخرج به الاجتماع الدولي أو حتى ما يمكن أن يؤدي إليه كل هذا الجهد الدولي والإقليمي.
باراك هو صاحب التجربة الوحيدة، الجدية لمفاوضات الوضع النهائي، التي جرت في شهر يوليو عام 2000 في كامب ديفيد برعاية ومشاركة حقيقية ومباشرة من قبل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، واستمرت لنحو أسبوعين.
فإذا كانت اتفاقيات اوسلو، مجرد اتفاق على البدء بالمفاوضات كما وصفها في حينه العاهل الأردني الراحل حسين بن طلال، فقد توقف حزب العمل برئاسة شمعون بيريز عن مواصلة تنفيذ اتفاق أوسلو في شهر مارس عام 1996، قبل أن يحين وقت إطلاق مفاوضات الوضع النهائي حسب روزنامة اتفاقية أوسلو، ومنذ ذلك الوقت إلى هذه الساعة كل ما جرى من اتفاقيات ومباحثات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لم يخرج عن إطار القضايا والمعالجات الجزئية والمحدودة، إلا كما أشرنا ما جرى في كامب ديفيد.
بعد مفاوضات كامب ديفيد الفاشلة، جرت لقاءات في يناير 2001، في منتجع طابا المصري، توصل خلالها الطرفان إلى تفاهمات ناجحة لتجاوز فشل كامب ديفيد، غير أن باراك رفض أن يدخل الانتخابات التي تنافس خلالها مع شارون على أساس تلك التفاهمات مما أدى إلى سقوطه وفوز منافسه.
ولأن باراك صاحب تجربة مع الفلسطينيين فهو يدرك أن ما تتفق عليه الإدارة الأميركية مع حكومة أولمرت بشأن حصر مناقشات الاجتماع الدولي بموضوع الدولة الفلسطينية ومن المقاييس الإسرائيلية، لا يمكن أن يكون مقبولاً من الفلسطينيين حتى لو كانوا على قدر الضعف الذي يعانون منه في الظروف الراهنة.
وربما أيضاً يدرك باراك أن الحكومة التي يشغل موقع وزير الأمن فيها، برئاسة إيهود أولمرت، ولا الإدارة الأميركية الفاشلة التي تقضي آخر أيامها، قادرة على تحريك العملية السلمية بالقدر الكافي الذي يستجيب لإمكانية تطوير عملية سلام حقيقية.
وفي ظل الحالة المأساوية التي يعاني منها الفلسطينيون ربما يتطلع باراك لأن يكون المنقذ الإسرائيلي الذي ينجح في ترميم سمعة ودور الجيش الإسرائيلي وملء الفراغ الناجم عن ضعف أولمرت، ليكون المنافس الأقوى في الانتخابات القادمة سواء كانت مبكرة أو في موعدها.
كاتب فلسطيني