في القرن السادس الميلادي ظهرت طبقة من المحاربين الأشداء في اليابان عرفت باسم «الساموراي» الذين شكّلوا فيما بعد طبقة أشبه بطبقة النبلاء التي اشتهرت في فرنسا قبل الثورة الفرنسية. ولقد برز نفوذ الساموراي في نهاية القرن الثاني عشر واستمر حتى نهاية القرن التاسع عشر عندما أنهى الإمبراطور «ميجي» الإقطاع في اليابان وبدأ إصلاحات جذرية لاتزال اليابان تقطف ثمارها حتى اليوم.
كان دور محاربي الساموراي هو حمل السلاح وخوض المعارك لصالح حكامهم العسكريين الذين عرفوا باسم «شوغون» وكانوا بذلك يشكلون طبقة خاصة مثل «الحرس الخاص» في أيامنا هذه، ولذلك لم يكن محارب الساموراي يعمل في أي وظيفة أخرى غير الخدمة العسكرية، ومع الوقت تشكلت لدى هذه الطبقة مفاهيم وقيم خاصة بها أثرت في المجتمع الياباني ومازالت آثارها موجودة حتى اليوم على الرغم من نهاية عهد الساموراي قبل أكثر من مئة عام.
فعلى سبيل المثال لا تزال طقوس شرب الشاي التي أوجدتها طبقة الساموراي هي الطقوس التي يمارسها اليابانيون اليوم، إلا أن الذي جعل الساموراي طبقة فريدة في المجتمع الياباني وفي التاريخ الإنساني على وجه العموم هو الالتزام الأخلاقي لأفراد هذه الطبقة أو ما يطلق عليه اسم «بوشيدو»
وهي كما يعرفها «إينازو نيتوبي» ـ وهو أحد المفكرين اليابانيين ـ على أنها وصايا النبالة وطرائق الفارس المحارب التي اتفق عليها الساموراي، فهي قانون للمبادئ الأخلاقية الذي يحكم حياتهم، وعلى الرغم من أنه قانون غير مكتوب ويتألف من بعض الشعارات التي كانت تتناقل شفاهة إلا أن تأثيره كان أكبر من كثير من الدساتير الموجودة في العالم اليوم.
لقد اشتقت تعاليم البوشيدو من الشنتوية وهي ديانة سادت في اليابان قبل البوذية وتقوم على التأمل والتفكر العميق والسمو بالروح إلى طبقات الكمال الإنساني، وتأثرت كذلك بتعاليم الزن وهي إحدى الطرائق البوذية التي تأثرت بالديانة الطاوية التي تعد من أقدم الديانات الصينية وبالعقيدة أو الفلسفة الكونفيشيوسية التي تحتل المركز الثاني في الصين بعد الطاوية.
حيث تقوم معظم هذه المعتقدات على أساس التأمل للوصول إلى الاستنارة وتحرير النفس من شوائب الحياة، وعلى مر العصور تطورت البوشيدو مستمدة تعاليمها من كونفيشيوس والفيلسوف الصيني منشيوس الذي أسس قواعد الفلسفة الكونفيشيوسية وزاد عليها الشيء الكثير.
من أهم مبادئ البوشيدو الاستقامة والعدل فقد كان لقب «جيشي» هو أعظم الألقاب الذي يمكن أن يحصل عليه الساموراي وهو يعني (رجل الاستقامة) حيث لم تقل مكانة الاستقامة والشرف عن البسالة في الحرب بل إنهما لصيقان حتى عندما يضطر المرء في الأزمات إلى الخيانة التي لا يجرؤ الساموراي على ارتكابها وإن كان على حساب حياته، ولكن الاستقامة لا تعدو شيئاً دون التفكير السليم أو كما يسميه الساموراي «الجيري» وهو الإطار الذي يحكم الاستقامة والعدل وبمفهوم بسيط فإنه الواجب الذي يتوقع الرأي العام من أصحاب المناصب العليا أن يقوموا به.
وعند الساموراي تعد الشجاعة والجسارة أحد أهم الأمور المكونة لمبادئ البوشيدو وهي كما يعرفها كونفيشيوس: «فعل ما هو صواب» ويقول عنها أحد محاربي الساموري: «الشجاعة هي الموت عندما يكون الموت صواباً، وهي الحياة عندما تكون الحياة صواباً» فالساموراي يعمل طوال حياته من أجل قضية معينة ومن دون ذلك لا تكون لحياته أو حتى موته قيمة، وعلى الرغم من أن أسهل شيء لدى الساموراي التضحية بحياته إلا أنه يعتقد بأن الموت من أجل قضية غير عادلة هي (ميتة كلب).
يظن الكثير بأن محارب الساموراي شخص متوحش لا قلب له، وهو كاد أن يكون كذلك نتيجة التدريبات الشديدة التي يخضع لها منذ نعومة أظفاره، إلا أن تعاليم البوشيدو التي كان جوهرها الترفع بالنفس عن كل ما هو مشين وفهم روح الحياة أدت إلى خلق توازن في نفس محارب الساموراي الذي يحمل بين جنبيه شجاعة وبأساً في إطار رحيم يجعله يمعن القلب قبل العقل في جميع أعماله.
وفي هذا النسق الإنساني فهو يستقي كلمات كونفيشيوس الذي يقول فيها: «دع الأمير يكرس نفسه للفضيلة وعندئذ سيلتف الناس من حوله، ومع الناس ستهل خيرات الأرض والثروات، فالفضيلة هي الجذر والثروة هي الفرع» والأمير هنا هو كل صاحب مسؤولية، وفي أماكن كثيرة يدعو كونفيشيوس أتباعه إلى الرحمة بالناس والتلطف بهم حيث يقول: «عندما يحب الأمير شعبه ويكره ما يكرهه فإنه يغدو أباً للشعب» والساموراي يعتقد بأن الرجال الذين يسكن الحب قلوبهم تشتد جسارتهم.
لقد اشتهر الساموراي بصدقه وإخلاصه حتى أن القسم كان يعد انتقاصاً من كرامته، فوعده لا يخلف وكلمته تحمل في طياتها شرفه الذي هو أغلى شيء عنده، وفي تعاليم البوشيدو فإن الإخلاص هو غاية كل الأشياء ومبتداها ومن دونه يسود العدم، أما بالنسبة للشرف فإن عبارة «ألا تخجل» كانت كفيلة بإعادة شاب طائش إلى صوابه فالشرف لدى الساموراي هو أهم شيء سواء كان حياً أم ميتا وهو المعيار الذي تصنف على أساسه العائلات في المجتمع، وهو عنده علو الهمة وسمو الروح وليس الحصول على الألقاب، وهنا يقول منشيوس: «الشرف الذي يمنحه البشر ليس شرفاً حقيقياً ومن يمنحهم الرئيس ألقابا نبيلة وامتيازات فإن بوسعه أن يحط من قدرهم متى شاء».
في ميدان العمل يتنافس الموظفون لإثبات قدراتهم وبالتالي للارتقاء في وظائفهم، وهذا أمر طبيعي فحتى الأشقاء يتنافسون فيما بينهم، ولكن عندما يتحول ميدان العمل إلى ميدان قتال ينزل إليه الموظفون بكل ما يملكون من أسلحة للدمار الشامل، وتتحول المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء إلى ساحات معارك طاحنة من أجل سلطة صغيرة كانت أم كبيرة أو من أجل الحصول على تقدير الرئيس فإن الحياة تصبح ليلاً دامساً لا قمر فيه ولا نجوم، عندها يعمل الموظف من أجل العمل فقط حتى إذا ما وصل إلى سن التقاعد ونظر إلى ماضيه لم يجد إلا جثث زملائه الذين مثل بهم بعد أن قتلهم شر قتلة...
في كل يوم أرى وأسمع أناساً يحيكون الدسائس ويصنعون المكائد لزملائهم ليزيحوهم من طريقهم المخضب بالدماء، وكم أستغرب من أولئك الذين يفعلون ذلك للحصول على لقب وظيفي لابد وأن يتركونه بعد حين! وكم أستغرب ممن لا ينام الليل وممن يصاب بمرض عضال بسبب هوس الوظيفة وهاجسها الذي يطارده حتى في أحلامه!
كم نحن في حاجة إلى طبقة من موظفي الساموراي الذين يحملون قيم البوشيدو في حياتهم العملية، والذين يعملون من أجل قضية معينة وعندما تدق طبول الحرب فإنهم يواجهون خصومهم من الأمام ولا يطعنونهم من الخلف...
لقد شكل الساموراي 5% فقط من المجتمع الياباني إلا أن تعاليمهم تسمى «روح اليابان» وعلى الرغم من أن مجتمع مدينة طوكيو اليوم يتفوق على المجتمع الأميركي انحلالاً وتفسخاً إلا أن المجتمع الياباني بصورة عامة مازال ينهل من نبع البوشيدو... لا نريد من جميع الموظفين أن يتعلموا البوشيدو ولكن 5% فقط تكفي لإحلال السلام في بيئة العمل، فكما قال أحد الحكماء: «لا حاجة إلا لحكيم واحد وسط مجموعة من الناس لتسود الحكمة، فعدواها سريعة للغاية».
كاتب إماراتي