تفرض الأحداث السياسية أحياناً معادلات غريبة وغير عادلة خارجة عن كل منطق وقانون، تحيّر المتابع الدقيق في فك طلاسمها، ومن هذه المعادلات الغريبة العجيبة، الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله، عندما وجّه تهديداً لإسرائيل، بأنه يخبئ مفاجأة كبيرة إذا ما أقدمت على خوض عدوان جديد على لبنان.

وأن هذه المفاجأة قد تغير وجه الشرق الأوسط، فيما كان بنفس الخطاب يطالب الأطراف بالداخل اللبناني إعطاءه الضمانات للاستمرار في أداء دوره في الحياة السياسية الداخلية المعقدة والمتناقضة، ويجهد نفسه بمحاولة استدرار العطف بالمبادرة حيناً وبالدعوة إلى الوفاق كل حين، وتجنّب اللهجة التصعيدية التي قد تخدش شعور الطرف الآخر المتربص له، والذي لم يترك وسيلة للاستفزاز إلا ومارسها من أجل ترويضه وسحب البساط من تحت قدميه، وكانت تصل أحياناً إلى درجة الشتائم متجاوزة أصول النقد الموضوعي المطلوب.

ومع ذلك، فقد كان قائد المقاومة الجسور على أعدائه الصهاينة، يمارس أعلى درجات ضبط النفس و التغلب على الشتائم بشهامة الفارس النبيل الذي ينبغي أن يسامح أولئك الذين تم التغرير بهم، وكان يجد لهم المزيد والمزيد من الاعذار ويدعوهم في كل خطاب وفي كل مناسبة إلى التلاقي والوحدة وإلى الشراكة الوطنية التي تغلب المصلحة الوطنية على المصالح السياسية الصغيرة والآنية.

وكان يقدم في أوج انتصاره، كما فعل في خطاب الانتصار الذي ألقاه العام الماضي، إثر وقف الاعتداءات الصهيونية الوحشية ضد لبنان مبادرات بدعوة شركائه في الوطن الخصوم قبل الحلفاء إلى التلاقي والترفع عن الحساسيات الصغيرة، وإقامة حكومة وحدة وطنية تكون ملتقى للجميع موالاة ومعارضة.

والاتفاق على برنامج سياسي جامع يلتقي حوله كل اللبنانيين بلا استثناء لإعادة هذا البلد الجميل إلى لعب دوره الطليعي في المنطقة والعالم، ولكن روح المعاندة واستحكام الكيديات الصغيرة، هي التي كانت تقف حائط صد في وجه دعوات قائد المقاومة، وتشن حملات إعلامية مركزة ومنظمة لتشويه كلامه، والتبخيس من قيمة هذه المبادرة الوطنية الشاملة والمؤثرة.

المعروف في العالم وفي التاريخ أن المنتصرين ضد الأعداء وضد المحتلين والمستعمرين هم الذين يستلمون السلطة أو زمام الأمور في بلدانهم، إلا في لبنان، واستثناء للقاعدة فإن المقاومة اللبنانية رفضت السلطة في مايو عام 2000، إثر الانسحاب الإسرائيلي المذل من جنوب لبنان بعد ربع قرن من الاحتلال، والمقاومة العنيدة أهدت المقاومة انتصارها لكل اللبنانيين.

وتعاملت بأخلاقية عالية مع جميع الناس، ورفضت الثأر حتى من المتعاملين مع العدو الذين كان يربو عددهم على الألفي عميل، وسلمتهم للسلطات اللبنانية الرسمية لمحاكمتهم، ولم يسجّل على المقاومة ضربة كف كما يقال ضد أحد، كما أن هذه المقاومة مارست التعفف السياسي إلى درجة أنها رفضت الدخول إلى الحكومة، أو اقتسام المغانم السياسية داخل البلد، بل فضّلت البقاء على الحياد، وكانت تمد خطوطها مع كل الفرقاء بلا عقد ولا مشاكل.

وفي الانتصار الثاني العام الماضي ضد عدوان يوليو 2006 كررت المقاومة اللبنانية وقائدها نفس الخطاب، حيث أهدى هذا النصر المؤزر إلى كل اللبنانيين، وإلى كل العرب والمسلمين والشرفاء في العالم، وأكد مراراً أنه لن ينافس على أية مغانم سياسية، ولن يسعى للحصول على أية مصالح صغيرة، بل اعتبر أن كل اللبنانيين في الحكومة وفي السلطة الإجرائية هم ممثلون له.

ولكن كان شرطه أو طلبه هو قيام حكومة وحدة وطنية، يشترك فيها كل الأطراف وكل التيارات السياسية على حد سواء والاتفاق على وضع تصور للبنان الجديد المعافى والقوي، لكن التطبع كان يغلب الطبع عند بعض القوى والأطراف الضيقة الأفق، حيث ذهبت إلى حد الطعن بوطنية هذه المقاومة، ولصقها بتهم كالمذهبية والعمل لحساب أطراف إقليمية، وغير ذلك من الأعمال الصبيانية التي كانت تضيّع كل مرة فرصة التوافق والخروج من المأزق الخطير.

ولكن يبقى هذا الصوت المقاوم الذي يمارس دوره بمسؤولية قل نظيرها، وبهذه الروح العالية من الأداء المنقطع النظير هي الأمل وصمّام الأمان الذي رفض الذهاب إلى حروب أهلية كان يتمناها ويعمل لها العدو الإسرائيلي.