رفضت منظمة شنغهاي للطلب الأميركي حضور مراقبين عسكريين مناورات «مهمة السلام- 2007» التي بدأت في مدينة اورومتشي الصينية وأنجزت مرحلتها الفعالة في ميدان تدريب «تشيباركول» في مقاطعة تشيليابينسك الروسية.وذلك في ظل انعقاد قمة روسية- صينية، لم يكن هذا الرفض أمراً غير متوقع، لأنه يقوم على عدم الثقة بجدية نوايا واشنطن في مكافحة الإرهاب، وصيانة السلام.

ويمكن القول ان التعاطف العالمي مع الولايات المتحدة جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 قد تلاشى، ولم يعد له وجود بعد أن ثبت للعالم كله استغلال واشنطن لهذا التعاطف من أجل تحقيق أهداف خاصة توسعية بعيدة تماما عن حملتها المزعومة ضد الإرهاب العالمي، وقد كانت روسيا والصين من أوائل الدول التي تعاطفت مع واشنطن بعد 11 سبتمبر وأيدتها في حملتها ضد الإرهاب، وسمحت موسكو وبكين للولايات المتحدة بأن تتخذ لها قواعد عسكرية في جمهوريات آسيا الوسطى المتاخمة لروسيا والصين مثل قيرغيزيا وطاجيكستان وأذربيجان وغيرها، وهو الأمر الذي ما كانتا تسمحان به كلتا الدولتين أبدا في ظل ظروف أخرى.

أبدت روسيا بعد أحداث 11 سبتمبر استعدادا وترحيبا بالتعاون مع أميركا في مكافحة الإرهاب، وذلك قبل أن تعلن واشنطن عن ربطها مكافحة الإرهاب بنشر الديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكن هذا التعاون لم ينعكس بأي صورة على أرض الواقع، وقد طرحت موسكو العديد من أشكال وسبل التعاون في مكافحة الإرهاب على واشنطن، ولكن الأميركيين لم يعيروا أية اهتمام للمقترحات الروسية، وذلك لسبب واحد رئيسي وهو أن كلا البلدين لم يتفقا على مفهوم الإرهاب الذي يجب التعاون في مكافحته.

فبينما ترى موسكو ضرورة التصدي للإرهابيين الذين يقتلون المدنيين ويقومون بأعمال التخريب، رأت واشنطن أن الحملة على الإرهاب تستهدف ليس فقط الإرهابيين بل أيضا الدول والأنظمة الحاكمة المستبدة وغير الديمقراطية التي تدعم الإرهاب من قريب أو بعيد.

لم يقتصر التواجد الأميركي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق على النشاط العسكري ونشر القواعد بل امتد إلى النشاط السياسي بالتدخل في شؤون هذه الجمهوريات الداخلية ودعم بعض القوى المعارضة الموالية لواشنطن ضد أنظمة الحكم في هذه الجمهوريات، وخاصة الأنظمة الموالية لموسكو، وذلك تحت شعارات نشر الديمقراطية والإصلاح السياسي.

وانعكس ذلك بوضوح في الثورات الملونة التي اندلعت في جمهوريات جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا وقيرغيزستان وأوزبكستان، والتي اعترفت الإدارة الأميركية والرئيس بوش نفسه بأن واشنطن تدعم هذه الثورات من أجل حصول شعوب هذه الجمهوريات على حريتها واستبدال أنظمتها المستبدة بأنظمة ديمقراطية، وأيقنت روسيا والصين خفايا المخططات التوسعية الأميركية في المنطقة، فقررتا ولأول مرة في تاريخهما التعاون معا للتصدي لهذه المخططات الأميركية التي تهدد أمنهما القومي عاجلاً أو آجلا.

هذا التعاون والتوافق الروسي الصيني الذي لم تكن واشنطن تتوقعه وحالت دون وقوعه طيلة القرن الماضي، ونجحت في ذلك رغم الأيديولوجية الشيوعية التي كانت تربط كلا البلدين، ولكن كما سبق أن قال رئيس الوزراء ووزير خارجية روسيا الأسبق يفجيني بريماكوف عام 1998 عندما تنبأ بتحالف استراتيجي ثلاثي بين روسيا والصين والهند، وسخر منه الكثيرون آنذاك مستبعدين التقارب الروسي ـ الصيني الذي لم تحققه الشيوعية، ولا التقارب بين الهند والصين في ظل الخلافات الحادة بينهما.

ولكن بريماكوف قال آنذاك «سيأتي الوقت الذي يجمع هذه البلدان الثلاثة تهديدات مشتركة وخطرا واحدا، وكان بريماكوف يقصد آنذاك بالتهديدات حلف شمال الأطلسي بقيادة واشنطن وتوسعاته تجاه آسيا، ولم يتغير مصدر التهديد الذي توقعه بريماكوف، كما لم يتراجع تصميمه على السعي من أجل تحقيق هذا التحالف الثلاثي الذي باتت كل الظروف على الساحة ممهدة له.

لقد أصبح التقارب الروسي-الصيني يهدد بشكل فعلي التواجد والمخططات الأميركية في آسيا الوسطى، وقد انعكس هذا بشكل واضح في نشاط منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، هذه المنظمة التي صدر عنها قرار في عام 2005 يطالب واشنطن بتحديد جدول زمني محدد لسحب قواتها وقواعدها العسكرية من منطقة وسط آسيا في اقرب وقت بعد أن انتهت المهام التي كانت محددة لهذه القوات ضمن الحملة على الإرهاب.

وجاء قرار قمة شنغهاي بعد أيام من أحداث أوزبكستان والتي على أثرها أصدر الرئيس الأوزبيكي إسلام كريموف قراره بطرد القاعدة العسكرية الأميركية من «خان أباد»، وحدد مهلة ثلاثة أشهر فقط لتنفيذ القرار، وذلك بعد أن كان كريموف الحليف الرئيسي لواشنطن في وسط آسيا لكنها انقلبت عليه وأيدت حركة تمرد المعارضة الأوزبكية ضده وكانت هذه القاعدة هي النقطة الرئيسية وربما الوحيدة لانطلاق العمليات الجوية الأميركية في أفغانستان وحاولت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس إقناع أوزبكستان بالعدول عن قرارها لكنها فشلت.

وغادرت القاعدة الأميركية الأراضي الأوزبكية في الموعد المحدد، والآن تسعى قيرغيزيا أيضا لطرد القاعدة الأميركية الموجودة على أراضيها، حيث طالب الرئيس القيرغيزي كرمان باكييف واشنطن مؤخرا بمضاعفة إيجار القاعدة عشر مرات واستبدال اتفاق الإيجار الرمزي السابق باتفاق محدد المدة وغير قابل للتجديد إلا بموافقة قيرغيزيا، وفي نفس الوقت تخرج المظاهرات الشعبية في شوارع العاصمة القيرغيزية تطالب بطرد القاعدة الأميركية منها.

ولا تتعرض السلطات المحلية لهذه الظاهرات بل ربما تستخدمها للضغط على واشنطن لسحب قاعدتها من قيرغيزيا، خاصة وأن السلطات القيرغيزية وعدت في مطلع صيف 2007 بإجراء استفتاء شعبي على وجود القاعدة في أراضيها والمتوقع أن تأتي نتيجة الاستفتاء برفض بقاء القاعدة.

وهكذا يتراجع التواجد الأميركي في وسط آسيا وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وتتوالى معالم هذا التراجع والفشل، فقد تراجعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا بعد الفوز الساحق في الانتخابات التشريعية لحزب فيكتور يانكوفيتش الموالي لموسكو وهزيمة حزب الرئيس يوشينكو الموالي لواشنطن، كما رفضتا جمهوريتي تركمنستان وطاجيكستان استضافة أية قوات أجنبية على أراضيهما لا ترغب موسكو في وجودهما.

وفي اجتماع الدول الخمس الواقعة على بحر قزوين «روسيا ـ إيران ـ كازاخستان ـ تركمنستان ـ أذربيجان «في موسكو، أعلنت الدول الخمس عن رفضها لأي تواجد عسكري أجنبي في مياه بحر قزوين، ويهدف هذا القرار إلى إفشال خطط واشنطن لإقناع أذربيجان وكازاخستان باستضافة قوات وقواعد أميركية».

وهكذا يشهد التوسع الأميركي في وسط آسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تراجعاً كبيراً، بينما تشهد العلاقات بين واشنطن من جهة وموسكو وبكين من جهة أخرى حربا باردة غير معلنة، وكما كتب المحلل الأميركي أرييل كوهين في الواشنطن بوست يقول «إن الحرب على الإرهاب والصراع على النفط أخرجا الولايات المتحدة من دائرة الشراكة الاستراتيجية مع الصين وروسيا.

وزادا من التقارب بين موسكو وبكين وهما اللتان تسعيان لإفشال كل المخططات الأميركية في آسيا، وقد نجحت موسكو في التقريب بين الصين والهند، ونجحتا روسيا والصين في طرد القواعد الأميركية من وسط آسيا كما نجحتا أيضا في أزمة النووي الكوري ويبدو أنهما سينجحان في أزمة النووي الإيراني».

جامعة سيبيريا