من المعروف أنّه عندما يجد الكاتب عنوانا لمقاله، يهون عليه الغوص في صلب الموضوع والبحث في دقائق الأمور. لم أجد سهولةً في انتقاء المواضيع للتعبير عن رأيي كما في الآونة الأخيرة. فالأحداث التي تذخر بها المنطقة على كافّة الأصعدة، أصبحت بحدّ ذاتها تحدّيا كبيرا لأيّ محلّلٍ سياسيّ حيث تُترك الأبواب مشرّعة أمام أيّ تساؤل فيدخل المرء في جدليّة طويلة يكاد يضيع في رمالها المتحرّكة كي يتوصّل إلى عرض الحلول.
أشلاء الأطفال في العراق، صراع فتح وحماس في فلسطين المحتلّة، الحرب الساخنة في النهر البارد في لبنان واختلاف القادة على الكراسي والمقاعد، الديمقراطية الأميركيّة ومكافحة الإرهاب بالإضافة إلى المؤتمرات والوساطات الدوليّة، كلّها مواضيع ثابتة تتكرّر وتتكرّر مع التغيير في التكهّنات، التجديد في السيناريوهات، التعديل في عدد الكلمات بالإضافة إلى تبديل اسم الكاتب، لذلك اخترت أن يكون مقالي «بلا عنوان» وأردت أن لا أفكّر في الموضوع وأطلق العنان لقلمي، علّه يريحنا ولو لمرّة من هموم السياسة والصراعات التي تفتك بأوطاننا وتهدّ كياننا.
يقول الأديب الفرنسيّ لافونتين: «كلّ قدرة لا تتّحد مع غيرها تكون ضعيفة» كما يقول الكاتب والأديب المصريّ العظيم طه حسين: «لا يوجد إنسان ضعيف لكن يوجد إنسان يجهل موطن القدرة فيه»، بربطٍ بسيطٍ بين هذين القولين لابدّ أن ندرك أنّنا أقوياء وقوّتنا في اتحادنا. كيف أصبح مفهوم الاتحاد هنا التساؤل الكبير؟
في لبنان أصبح يتربّع المسؤولون السياسيّون على المنابر موزّعين الاتّهامات فيما بينهم على أكثر من جبهة منها الأميركيّة، الأوروبّيّة والسوريّة، الإيرانيّة، ناهيك عن الاتّجاهات والخطوط الداخليّة التي تخدم المصالح الفرديّة تحت شعار «مصلحة الوطن» وتأمين العيش المشترك....الاتحاد أصبح صراعا حتّى داخل الطائفة الواحدة، الاتحاد أصبح التفرّد بالسلطة ونبذ الفريق الآخر ومنعه من المشاركة في صون استمراريّة وطن أقول وطناً لا أوطان داخل وطن.
في العراق الاتحاد بات متفجّراتٍ وفتناً طائفيّة بين سنّة وشيعة وبلاد الرافدين باسم العدالة والسلام أصبحت دويلات مترمّدة.
في فلسطين من العيب أن نصف الاتحاد من دون أن نتبعه بصفة تُظهر عظمته «اتحاد مضاعف»، لم يدركه العالم من قبل إذ إنّ هذه الأرض المحتلّة هي التي تأكل النيران بشكلٍ مباشر لذلك شكّلت لحمتها وتعاونها ومقاومتها خطًا عريضاً في افتتاحيّات الصحف عنوانها: سيطرة حماس على قطاع غزّة وفتح تعزّز مفاوضاتها ومشاوراتها من أجل استعادته.
هذا نحن يا عرب هذا نحن بالمختصر أمّة نائمة، وليس لنائمٍ في الحياة أن ينتصر لأنّ الانتصار حالة يحقّقها النشاط. ليس النشاط لا في استقبال السفير الأميركيّ «جيفري فيلتمن» ولا في حوارٍ طويلٍ مع الرئيس الفرنسيّ «نيكولا ساركوزي» ولا مؤتمرٍ في الأمم المتّحدة. النشاط هو أن يتشاطر كلّ عربيّ قوّته مع أخيه بغية الاهتداء إلى مخارجٍ للأزمات المتغلغلة في جسمنا العربيّ. فنحن نسجّل الكرة في مرمانا معتقدين أنّنا هكذا سوف ننتصر غير مدركين أنّها نقطةٌ رابحةٌ لصالح خصمنا.
فلنرمي الكرة بعيدا عنّا ولتتّحد أقدامنا لتقذف كرات الفتن والقتل والغدر في سجن النسيان. فكلّ بلدٍ عربيّ جزءٌ من أمّة إذا كان هذا الجزء مفكّكا ومجزّءا كيف سوف نحافظ على هذا الكلّ؟
يقول مارتن لوثر كينغ: «ليست سعادة الأمم بكثرة المال أو قوّة الاستحكامات ولا بجمال مبانيها إنّما بسعادة أبنائها الذين تنوّرت عقولهم ورجالها الذين حسنت تربيتهم واستنارت بصائرهم واستقامت أخلاقهم ففي هؤلاء سعادتها الحقّ هؤلاء هم قوّتها الحقّ وعظمتها الجوهريّة».
يبدو أنّي تماديت بالكلام، أعذروني يا قرّائي جعلت مقالي «بلا عنوان» ووعدت أن أبتعد عن وجع السياسة ونارها المؤذية. لكن يبدو أنّه حكم علينا نحن الكتّاب العرب رغما عن إرادتنا أن تندمج كتاباتنا دائما مع واقعٍ حياتيّ مؤلم.
أتذكّر آخر مقال رسم البسمة على شفتيّ تناول انتصار العراق في بطولة كأس آسيا لكرة القدم.
علّها مناسبة سعيدة تعلّمكم أين ترموا بالكرة يا عرب!!
كاتبة لبنانيّة